عمون - عاطف الفراية عندما نشرت لقراء عمون العزيزة عن مأساة العائلة المغربية التي تسكن الحمامات العامة وجاءتني التعليقات بأننا أفضل من غيرنا بكثير وأن ما نشرته هو شهادة لأوضاعنا الأفضل في الأردن العزيز..لم أكن أعلم أن قصة مثل قصة المواطن الأردني صالح التميمي يمكن أن تحدث في عمان العزيزة.. وفي أحدث مستشفيات وزارة الصحة الذي كلف دافع الضرائب الأردني قرابة مائة مليون دولار.. والقصة لخصتها لي الإعلامية الأردنية والمثقفة الناشطة السيدة زهرية الصعوب زوجة المريض بطل القصة( أو اللابطل الرئيس في القصة) ، ونشرها ولده حسين صالح التميمي في موقعه الشخصي باللغة الإنجليزية( بعنوان تسعة أيام بائسة) ، وأحببت أن أضعها ملخصة بين أيدي قراء عمون العزيزة حرصا مني على جلاء الصورة بأقصى درجات المكاشفة التي عودت نفسي وقرائي عليها.. مستعينا بالترجمة التي نشرتها وكالة رم..(للأمانة العلمية) بدأت القصة من اختفاء الرجل وسيارته وإغلاق هاتفه النقال، وعائلته تبحث عنه في كل المستشفيات والأماكن التي يمكن أن يتواجد فيها ..ولدى معارفه وأقاربه وأصدقائه ..الخ ولمدة تسعة أيام عجفاء رأت فيها العائلة الأمرين وبدأ الشك يتسرب إليهم أن الرجل أصبح في عداد الأموات .. وكان مستشفى الأمير حمزة من المستشفيات التي سألوها مرارا وتكرارا والذي أكد لهم أن الاسم الذي يبحثون عنه ليس في سجلاتهم مطلقا.. في اليوم التاسع !!! في اليوم التاسع تخيلوا!! وجدت الشرطة سيارة الرجل بجانب الكلية العربية في شارع الجاردنز!!! أحد أكثر الشوارع حيوية في الأردن... وكانت السيارة مصدومة من الجانب الأيسر ومصفوفة بطريقة غريبة توحي بأن صاحب السيارة غادر الموقع بسرعة وكانت ما تزال بعض المشتريات بالمقاعد الخلفية من السيارة. أفاد أحد البوابين من إحدى العمارات القريبة البحث الجنائي أن رجلا كبيرا غادر السيارة وكانت تبدو عليه آثار التعب وكأنه مريض وأن بعض الطلاب ساعدوه وأخذوه إلى أحد المستشفيات... بعد أن عرفت العائلة عادت وسألت كل المستشفيات التي سألتها سابقا وبالذات أقرب مستشفى وهو (مستشفى الأمير حمزة) مرة تلو الأخرى ويصر موظف الاستقبال أنه لا يوجد أحد بذلك الاسم... ويقول بدون أية مراعاة لمشاعر أشخاص يبحثون عن رجل مفقود منذ تسعة أيام... أقارب قلقين لأبعد الحدود... أقارب يخطر لهم في كل لحظة آلاف الهواجس... يقول لهم (يا عمي دوشتونا بهالزملة! ما في ورانا غيركو؟ … يا أخي روحوا دوّروا عليه بمحل ثاني!) أحد الأقارب أصر على مشاهدة سجل المرضى وطبعا موظف الاستقبال رفض ولكن أمام إصرار الرجل استسلم حتى يتخلص من الإزعاج غير المبرر!! و بعد تقليب بضعة صفحات ظهر الاسم بصورة واضحة! ولا أحد يعلم كيف ولماذا كانت العائلة تتلقى الإجابة بأنه غير موجود.. تبين بعد هذا أن الأب قد دخل المستشفى منذ تسعة أيام... فبينما كان يقود سيارته تعب بشكل مفاجئ وأصابه دوار شديد فأوقف السيارة وصدمها من الجانب الأيسر قبل أن يوقفها تماما فرآه بعض الطلبة ونقلوه إلى المستشفى المذكور... وهناك..وما أدراك ما هناك.. تم تشخيص الحالة بارتفاع في ضغط الدم!؟ سرق الهاتف النقال وكل النقود من المحفظة، وكانت الممرضة تضع الدواء على المنضدة وتذهب..تسعة أيام لم يتم تقليب الرجل ولا تغذيته.. ولا تغسيله أو تغيير (الشراشف) تسعة أيام بقي رجل كبير السن وحيدا في مستشفى حيث تعرض لأسوأ أنواع المعاملة مستلقيا على ظهره دون أي لباس ولا حتى روب المستشفى.. بقي الرجل لتسعة أيام دون طعام أو ماء حتى امتلأ فمه بالبكتيريا... لتسعة أيام لا أحد يقوم بتنظيف جسد لا يقوى على الحراك... لتسعة أيام المحفظة ترقد بجانب الرجل ولم يكلف أحد نفسه بإعلام الشرطة أو الاتصال بأي رقم موجود على بطاقات الأصدقاء والأهل التي في المحفظة... بصمت بقي الرجل يعاني لتسعة أيام بائسة أدت إلى أن يصاب بذات الرئة.. والتهاب في الدم.. وفشل كلوي.. وجلطة دماغية وتقرحات جلدية نتيجة عدم التقليب .!! كل هذه الأمراض تأتت له في المستشفى الذي يفترض أنه يعالج فيه..!! بالطبع قرر الأهل أن ينقلوه إلى مستشفى آخر.. وهو الآن يرقد في مستشفى الجامعة الأردنية، لأن الأهل لم يسمعوا النصيحة الثمينة!!! التي قدمها أطباء مستشفى حمزة بنقله إلى البيت لاعتقادهم أن حالته تحسنت عندهم!!! وبعد: إن قصة واحدة مثل هذه في بلاد تحترم نفسها كفيله بتغيير قوانين والإطاحة بحكومات بأكملها ما دام الإنسان هو أساس قيام الدول والأوطان. فكيف إذا كانت هذه القصة مثال على ما يجري في مستشفيات وزارة تعتاش هي وموظفوها وأطباؤها على موازنة جل مدخلاتها ضرائب وجمارك ومكوس يدفعها أولئك المرضى وعوائلهم ويقتطعونها من قوت أبنائهم وتعليمهم وأدويتهم؟ لم أعد أدري في الواقع في أي بلد نحن؟ وإلى أين نحن سائرون!! |