تكبير الخط تصغير الخط طباعة عناوين المواضيع
تعليم و جامعات
من قضايا العصر العنكبوتي (الرقمي) الجديد .. عن الكتابة والصحافة في فضاء تخيلي..
2007-06-14
 

بقلم: جياد آدم.

في العصر العنكبوتي المشتبك تشابك نسيج العنكبوت ذاته ..حيث كل شيء يميل لأن يتحول إلى حالة من السيولة المتدفقة والهائمة ضمن هذه الغيمة الإلكترونية الهائلة ، فإن الإنسان ذاته ليس استثناءا .. بل على العكس من ذلك .. فلعله هو أول المتأثرين والمتدفقين خلال وعبر هذا السيل الهادر .. وبحيث بات يميل إلى التحول من حالته المشخصة و الصلبة كجسم فيزيائي يشغل حيزا محددا في مكان ما إلى حالة أخرى قابلة للتحول من صورة لأخرى .. فيصبح وهو مجموعة من المعلومات والرموز والأرقام ...الخ المتدفقة عبر الأسلاك الدافئة .. وهو ما اصطلح على تسميته في أدبيات النت بـ "الكائن الافتراضي" ، وفي سياق متصل وُجد ما يعرف أيضا بالمجتمع الافتراضي أو التخيلي .. وفي نفس السياق أيضا نشأت "النوادي الافتراضية" حيث يجتمع مجموعة من الناس ذوي الاهتمامات المشتركة يتداولون في تلك الاهتمامات في نواد ليست لها عناوين محددة أو أمكنة وأبنية موجودة وجودا فيزيائيا على الأرض الحقيقة .. اللهم سوى عنوان شبكي أو رابط URL .. كما أن المنتديين أنفسهم لا يتواجدون أو يلتقون بأجرامهم الفيزيقية بل كمعلومات وأسماء افتراضية ..فتجد اقتصاديين في منتديات اقتصادية أو علماء في منتديات علمية أو أدباء وشعراء في منتديات أدبية أو سياسيين ....الخ .. وتنشأ بينهم علاقات معرفية "معلوماتية" وتتكون أو تتبلور داخل المنتدى مجموعات وفقا للاتجاهات التي تتبلور نتيجة للطروحات تماما كما ينشأ في الواقع رغم أنهم ربما لم ير أي منهم صاحبه ولم يجتمع به أبدا .بل وأحيانا تحدث انتخابات وتتشكل حكومات لتلك المنتديات .. ومثال على ذلك الجمهورية الأولى والثانية في منتديات موقع إسلام أون لاين http://www.islamonline.net/Arabic/news/2003-08/02/article09.shtml
.. ولعل برنامج الحياة الثانية هو مثال آخر على هذا العالم الافتراضي حيث بادرت الكثير من الدول لافتتاح سفارات افتراضية لها ولتعريف الرواد بمواقعها السياحية ومنتجاتها ....الخ. ومواطن تلك الحياة غالبا يتخذ له اسما وشخصية مستعارة (أفاتر).

في ظل هذه الحيثيات .. وإذا كان الإنسان ذاته يتحول إلى مجموعة من الرموز المعلوماتية السائلة عبر الأسلاك.. أي إلى كائن افتراضي لا يوجد أمامك منه إلا أفكاره وكلماته ورموز تدل على كيف يفكر فإنه ليس من المستغرب أن جزءا مما يخص ذلك الإنسان وهو اسمه مثلا أن يتحول هو الآخر إلى رمز أو كنية أو اسم مستعار إذا كان الإنسان ذاته تحول في النهاية إلى ذلك الكائن الافتراضي السائل عبر الأسلاك في مجتمع تخيلي افتراضي هو الآخر لا وجود له فيزيائيا.

أسوق هذه المقدمة لأثير من جديد موضوعا قديما جديدا ارتبط بعصر النت .. وصحافة النت .وطالما أثير مرارا . وهو موضوع الأسماء المستعارة .. كونه من المواضيع التي نشأت مع مجتمع ثورة النت والمعلوماتية وارتبطت به وطالما أثيرت وما زالت تثار حوله الأسئلة بين مؤيدة ومعارضة سواء في تلك المنتديات أو في المواقع والصحافة الإلكترونية الأخرى.


أحد الأخوة في هذا الموقع بدوره أثار الموضوع لكن من إحدى الزوايا بعينها .. وهي زاوية إساءة استخدام الاسم التنكري ..فبعد أن ذكر اعتبارات مهمة تسوغ اللجوء للاسم المستعار في مقاله هنا :
http://www.ammonnews.net/arabicDemo/article.php?issue=&articleID=5887
وهي اعتبارات مقنعة بدورها . عرج على الفكرة الرئيسية في مقالته وكأنما هو بذلك يحصر تلك المبررات في تلك التي ذكرها ...وقد يكون الأخ مقنعا في تلك المسوغات الحصرية لو لم نكن نعيش في هذا العصر الافتراضي السائل الذي قدمتُ له آنفا .. وهو العصر العنكبوتي أو عصر النت والمعلوماتية حيث يميل كل شيء لأن يتحول إلى مجرد معلومة سائلة عبر الغيمة الهائلة..

وربما فات الكثيرين ممن أثاروا هذه المسألة في غير مكان من النت ومنهم الأخ الكاتب هنا تذكُّر حقيقة مهمة إضافة لخصائص هذا العصر السائل والتخيلي .. وهي أن هناك جيل جديد من الكُتاب الشباب هم أصلا بدءوا مع النت وليس مع الصحافة التقليدية .. فقد كانت بداية عهدهم هي في المنتديات الالكترونية والمواقع المختلفة على الشبكة وهذه الموجة من الصحافة والمواقع تسمح بهذا النمط من الأسماء المستعارة بل عادة الكتابة بالاسم الصريح تكون هي الاستثناء .. فالغالبية يتخذون اسما مستعارا ..وأنظمة تلك المواقع تسمح بذلك بل تشجع عليه حد أنك ربما لا تجد إلا عددا محدودا يكتب باسمه الصريح..فلما ينتقلون للصحف يحملون هذا الميراث معهم فيكتبون باسم مستعار وهذا ليس فيه شيء ما لم يتخذ الاسم الافتراضي بالأساس بقصد مسبق لغرض توظيفه كقناع للإساءة الشخصية وليس للنقد الهادف الموضوعي.

وعدا عن هذا وذاك مما مر ذكره وهو ما يمكن تصنيفه ووصفه بـ "الضرورات العصرية "، فهناك أمر آخر مهم بخصوص ممتهني الكتابة بشتى أجناسها وصنوفها والكتابة الإبداعية منها بالذات .. هو أن الكثير منهم أصلا يميل أن يعيد تسمية نفسه بنفسه بغير الاسم الذي اختير له دون مشورته باعتبار الكتابة ذاتها أصلا عملية خلق وإعادة تشكيل .. وأن الاسم الرسمي الذي اختاره لنا آباؤنا هو اسم للكائن البيولوجي فينا ، بالتالي من حقنا أن نسمي نحن ذلك الكائن الآخر الذي ولد على عيننا ورعايتنا سواء هو الكاتب أو الشاعر أو القاص أو الأديب اسما نختاره نحن : إما بدوافع اختيار اسم يتفق مع الصفة الجديدة لنا مثلا أو لمجرد أننا نحب أن نسمي هذا الشاعر أو القاص أو الأديب اسما نختاره نحن ..وهذا يحدث كثيرا .. فالشاعر المعروف أدونيس مثلا اسمه الحقيقي علي أحمد سعيد .. أما "أدونيس" فهو اسم من صنعه واختياره ..وفي التراث كثير من الشعراء والأدباء والكتاب عرفوا بأسماء مستعارة هي إما كنية أو صفة أو لقب كابن المقفع و "كشاجم" و"ديك الجن" والجاحظ ومسكين الدارمي والمعري والمتنبي ...والقائمة تطول، بل إن معظم كتاب التراث قد توارت أسماؤهم الحقيقية خلف كنى أو ألقاب أو صفات عرفوا بها حد انك لو سألت الكثير من كتاب اليوم المعروفين ما الاسم الحقيقي لكشاجم أو المتنبي أو الجاحظ أو المعري أو مسكين الدارمي أو .... تجده لا يعرفه إلا باسم الشهرة فقط .

إذا فإن هذه الظاهرة - عدا عن كونها ظاهرة ارتبطت بالنت وكتابه – ليست بجديدة على عالم الكتابة أصلا منذ القدم .. فأن يسمي الكاتب أو الشاعر أو القاص أو الأديب نفسه اسما يختاره هو كاسم للكائن الشعري أو الروائي أو الأدبي غير الاسم الذي اختاره له غيره كاسم للكائن البيولوجي فهذا من حقه وهو ظاهرة قديمة جدا ..لكن المحذور هو أن يكون اتخاذ الاسم الوهمي أصلا هو فقط كقناع بالدرجة الأولى بقصد مسبق للإساءة للغير وهذا لا يمكن أن يحصل مع كاتب مبدع يحترم الكلمة ويدرك قدسية رسالتها ..وإذا اختار لنفسه كنية ما فبالتأكيد له مرامٍ وأهداف أسمى من تلك دون أن ننفي بالطبع أن هناك حالات سوء استخدام تحصل من البعض..على أن النقد الهادف مهما كان قاسيا لا يدخل في باب الإساءة ..فإذا وصف كاتب ما كاتبا آخر بأنه غير ملتزم بقضايا وطنه وأمته أو أنه غير واضح أو انتهازي فيما يكتب فهذا لا يعد من قبيل الإساءة تحت قناع مستعار وإذا وصفت سياسيا بأنه تاجر ومراوغ ودنانيري فهذه ليست إساءة أو كلمات بذيئة ما دمت أصف نهجه السياسي وما دام هو أصلا قدم نفسه كشخصية عامة فإن مساحة الجانب الشخصي ألخصوصي في كينونته يصبح ضئيلا جدا ويصبح معظمه في معرض النقد والتقييم ..فهناك شعرة دقيقة بين ما هو إساءة شخصية لذات الشخص بتشف مقصود وما هو نقد لعمله سواء كان هو كاتب أو سياسي أو رياضي أو أي شخصية عامة ..

وإذا كان أجداد أجدادنا عرفوا هذه التسميات والكُنى في عصر الكتابة بالريشة على جلد الغزال فهل ننكرها نحن في عصر النت والكتابة الضوئية والإلكترونية؟ سؤال مشروع أطرحه هنا في ضوء الاعتبارات السابقة مكررا على أنني أتفق تماما بخصوص رفض أن يكون منطلق اتخاذ الاسم المستعار هو بدوافع الإساءة للآخرين ..لكن لا أتفق معه في أن اتخاذ اسم مستعار هو دائما جين أو تخف أو عدم قدرة على تحمل مسؤولية الكلمة ..

علما أنه إذا ما تم الاحتجاج مثلا بأن الجاحظ أو كشاجم أو ديك الجن أو المعري كان كل واحد منهم معروفا من هو فكذلك تقنيا فالمقالة الإلكترونية كالمكالمة الهاتفية تستطيع عند اللزوم تعرف من أين صدرت وتحدد مستخدم الخط أو لمن تعود ملكيته وتعرف الكاتب.. بالتالي فاللجوء للاسم المستعار على النت ليس كما يظن البعض عملية اختباء أو استتار وتنصل من المسؤولية .. لأنه في النهاية سهل جدا تعرف لمَن تعود ملكية ذلك الاسم المستعار ؟ يبقى أن للكاتب أهداف ومرام أخرى أسمى من مجرد التخفي أو التنصل من المسؤولية إلا إذا كنا نتحدث عن كاتب غير واع لهذه الحقيقة أو مجرد هاو يستخدم الكتابة كما لو كانت عملية دردشة أو "شات".


أيضا فهناك جوانب إيجابية أخرى للاسم المستعار.. فالذين لا يبحثون عن أمجاد شخصية سريعة لا يجدون ما يثنيهم عن الميل للكنية .. فمرات الاسم المستعار يحرر الكاتب من بعض الكلف والأعباء المرتبطة بالاسم الحقيقي ليكون أكثر انطلاقا وصدقا فيما يطرح بتحريره من الجاذبية الاجتماعية المتعلقة باسم العشيرة أو العائلة وما تجر خلفها من المنطقة والبلدة ...الخ وبنفس الوقت بالمقابل تحرر المتلقي أيضا من تحيزاته تجاه تلك الأمور أو ضدها .هذا بالنسبة للكاتب . فربما يمتنع مسؤول مثلا من الاستجابة لطرح ما لمجرد أنه صادر عن فلان الفلاني من المنطقة أو الجهة الفلانية لكن لو أخفى فلان اسمه لكانت الاستجابة مختلفة حتى لو كان يعرف أن ذلك الطرح تحت ذلك الاسم الميستعار هو لفلان الفلاني مادام لم يصرح باسمه ..فقد يفهم في الحالة ألأولى أن النقد هو استعراض وتحد شخصي بينما لو أخفى الاسم الحقيقي ربما تختلف النظرة ..انه مثل أن تسدي لي نصيحة مباشرة أو أن ترسلها بطرف خفي حتى لو كنت أعرف أنك وراءها لكن ربما الاستجابة تختلف ..

وتبقى المسالة برمتها خاضعة للاجتهاد والنقد وتخص عصرا محتلفا له مقتضياته وتتعلق أخيرا بعملية إساءة الاستخدام للكنية وليس حد ذات الكنية .


http://blacksteed.jeeran.com/reform/
jeaad@yahoo.com


تكبير الخط تصغير الخط طباعة عناوين المواضيع