كــلام في الوطــن والوطنــية | كتاب عمون | وكالة عمون الاخبارية

كــلام في الوطــن والوطنــية


[6/8/2010 11:46:43 AM]
د.وليد عبد الهادي العويمر

لفت انتباهي قبل يومين احد الشباب وهو في العشرين من عمره يستمع إلى أغانٍ وطنية من سيارته الخاصة بصوت مرتفع وأثناء استماعه الشاب لأغانيه المفضلة قام بقطع الإشارة الضوئية وهي حمراء وكأن الأمر لا يعنيه . فدارت في نفسي عدة تساؤلات : هل هذه هي الوطنية وحب الوطن والولاء والانتماء الذي نريد ؟ أهكذا نعبر عن وطنيتنا وحبنا لأوطاننا؟ هل مفهوم الوطنية لدينا يختلف عما هو موجود في الدول المتقدمة ؟ أسئلة كثيرة دارت في مخيلتي . فعدت إلى أمهات الكتب باحثا عن مفهوم الوطنية والولاء والانتماء لعلي أجد مخرجا لهذا الشاب وأمثاله . فوجدت أن كل الكتب والدراسات أجمعت على أن الوطنية وحب الوطن والولاء والانتماء كلها معاني وكلمات تصب في معنى واحد هو المكان الذي ولدنا وعشنا وترعرعنا فيه .ولكن هل نعي ما مضمون هذه الكلمات وما أثرها في نفوسنا أم هي مجرد كلمات نرددها فقط ؟ وهل هي شعارات وأقوال ووضع صور وملصقات فقط أم أنها تحتاج إلى أفعال ؟ وخلصت في النهاية إلى أن الوطنية كالإيمان لا يكتمل إلا إذا وقر في القلب وصدقته الجوارح وظهر على السلوك ، فلا يكفي أن نقول أننا مؤمنين دون أن نصلي ونصوم ونحج ونزكي ونأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر .... الخ ، وهكذا هي الوطنية فلا يكفي أن نتغنى بحب الوطن ونرفع الشعارات ونستمع إلى الأغنيات الوطنية بل لا بد أن يقترن هذا الحب بالأفعال .
ومن هنا فإن كثيرا من ممارساتنا اليومية والتي نقوم بها دون أن نفكر في فوائدها أو مضارها للوطن نقوم بها ولا نبالي ، وكأن هناك أشخاصا آخرين يقفون خلفنا ويصلحون ما نقترفه من أخطاء بحق الوطن . فأصبحت ممارساتنا اليومية والتي نعتدي بها على الوطن ومقدراته شيئا روتينيا عاديا لا نستهجنه ولا نستغربه بل نقبله ونقبل عليه ، وندعي بعدها أننا نحب الوطن وأننا سوف نضحي ونقدم له المهج والأرواح . فأي مهج وأي أروح هذه التي سوف نقدمها للوطن ونحن لا نستطيع ولا نقدر أن نقف على الإشارة الضوئية أو أن نلتزم بوظيفتنا اليومية . وندعي بعدها أننا نريد أن نتقدم ونتطور وننتصر على أعدائنا . فكيف لنا أن ننتصر ونتقدم ونحن لا نستطيع ولم نستطع الانتصار على أنفسنا .
فلماذا لا نأخذ الحِكمة والعبرة من تجارب الشعوب الأخرى ، والتي كانت بالأمس القريب تنافسنا في التخلف ، إنها شعوب النمور الأسيوية وعلى رأسها كوريا الجنوبية وماليزيا وهونغ كونغ وسنغافورة شعوب لا تعرف الكلل ولا الملل ولا تعرفُ للوطنية معنى إلا العمل والانجاز والإتقان والمهارة الأدائية. فأي موارد طبيعية لدى هذه الشعوب مكنتها من الوصول إلى مصاف العالم المتقدم . كلنا يعرف ومن لا يعرف فعليه أن يعرف أن هذه النمور فقيرة جدا بمواردها الطبيعية فلا نفط ولا غاز ولا معادن ثمينة إلا اللمم . فكيف وصلت ونحن ما زلنا نتلمس الطريق ونرفع الشعارات . إن الإجابة المختصرة على تساؤلنا هذا سنغافورة هذا النموذج والمثل الرائع الذي استطاع أن يجيش القوى العاملة لديه حتى وصلت إلى أكثر من ثلاثة ملايين والذين يشكلون نحو 62 في المائة من السكان البالغ عددهم 5 ملايين ، وقد أقرت المنظمات الاقتصادية الدولية أن هذا الرقم يعتبر من أعلى النسب في العالم . وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على رغبة المواطنين في هذا البلد , وخصوصا الإناث للالتحاق بسوق العمل. فلا وجود لثقافة العيب بينهم لأي وظيفة ولأي عمل مهما قل شأنه ، فأي وطنية وأي ولاء ندعيه نحن أبناء هذا الوطن إذا كنا نرفض العمل في المهن اليدوية .

فاسمحوا لي أن أقول أن كل من يأتي على وظيفته وعمله متأخرا ويخرج مبكرا ، وكل من تبدأ طقوس صلاة الظهر عنده أثناء وظيفته الساعة الحادي عشر ظهرا ، وكل من ينام أثناء عمله ، وكل من يقطع الإشارة الضوئية والأشجار في الحدائق والأماكن العامة ، ويسرق الماء والكهرباء من وراء العدادات ، ويلقي النفايات والأنقاض على قارعة الطريق ، وكل طالب يكتب على مقاعد الدراسة أو الجدران أو الأبواب والغرف الصفية ويغش في الامتحان ، وكل من لا يُقبل على صناديق الاقتراع في الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية ، وكل من يُنجح ويساعد في تنجيح طالب لا يستحق النجاح ، وكل من يقدم مصلحته الخاصة على المصلحة العامة ، وكل من يأخذ ( إكرامية ) لقاء عمل هو مكلف به ويتقاضى عليه أجرا، كل هؤلاء ومن هم على شاكلتهم وطنيتهم منقوصة لا بل مبتورة لا بل دعوني أقول مشكوك فيها.

  • 1 6/9/2010 11:01:46 AM

    اهلا والله يا دكتور

  • 2 ربيعه 6/9/2010 11:06:51 AM

    واله زمااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااان عنك يادكتور وعن الجامعه

  • 3 د. عبدالله الدراوشه 6/9/2010 12:40:31 PM

    وبكل صراحه مقالك رائع ويتلمس واقع مجتمعنا وواقع شبابنا هذه الأيام فالوطنيه تتمثل في تطبيق النظام والعدالة والمساواة بين الناس واحترام الغير والابتعاد عن السلوك الطائش

  • 4 د. عبدالله الدراوشه 6/9/2010 12:40:38 PM

    وبكل صراحه مقالك رائع ويتلمس واقع مجتمعنا وواقع شبابنا هذه الأيام فالوطنيه تتمثل في تطبيق النظام والعدالة والمساواة بين الناس واحترام الغير والابتعاد عن السلوك الطائش

  • 5 محمد 6/9/2010 3:26:51 PM

    كل الشكر دكتور

  • 6 عبدالرزاق 6/13/2010 5:48:17 PM

    اشكرك يا دكتور على المقال الرائع والذي ياتي في الصميم
    الوطنية عمل والتزام وليس شعارات واهمال

  • 7 العويمر 3/29/2012 3:30:35 PM

    كلام جميل جدا يا دكتور وليد

  • الاسم: *
  •  
  • الايميل:
  •  
  • التعليق: *

  •  

facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss