facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





رغيف الشعر ووردته!


خيري منصور
07-11-2011 04:56 PM

انقطع فاليري عشرين عاما عن كتابة الشعر واشتغل في الرياضيات خلال فترة انقطاعه، كان ذلك بسبب هاجسه المزمن لكتابة القصيدة الصافية، غير المشوبة بأي غبار نثري، وبقي السؤال ماثلا هل استطاع فاليري ان يكتب شعرا صافيا؟.

وهذا ما عبر عنه همنغواي بصورة مباشرة عندما قال انه لا يكتب الا عما يعرف، وان ادبا كله ادب، او ادبا صافيا هو اشبه بوجبة من الملح الخالص او السّكر، وليس هناك من يتناولون مثل هذه الوجبة، ومنذ اقدم الشعر والسجال يدور حول ما هو صاف ومنقى وبين ما هو حياتي ممهور بالحياة سواء بمفهومها الوجودي العام او من خلال التفاصيل اليومية، فهذه التفاصيل التي قد تبدو عابرة للبعض يرى فيها الشاعر الالماني ريلكه الخيوط السحرية الدقيقة التي تربط العابر بالابدي والخالد، شرط ان تكون تفاصيل منتقاة بعناية وذات دلالات تتخطى الراهن.

وحين اصدر محمود درويش مجموعته بعنوان 'ورد أقل' وهي الانعطافة الثالثة في تجربته بعد المرحلة الجليلية الاولى ومحاولة رقم سبعة، كان يحاول الافلات من الشعرية المنقاة وغير المشوبة باليومي، وان كان قد مهد لهذه المرحلة في قصائد سابقة ومتفرقة، ادخل فيها عبارات تبدو لأول وهلة طارئة على الشعر، من طراز (القادمون من الصناعات الخفيفة) وما يماثلها، وكان قد اخبرني ذات يوم ونحن نتحاور حول هذه المسألة، ان قصيدته التي رثى بها عبد الناصر رغم انتمائها الى مرحلة مبكرة، لم تضق بعبارات غير مألوفة في المعجم الشعري، فقد تحدث عن الكهرباء ومحطاتها والكيلو واط كمنجزات ناصرية وانتهى الامر بمحمود ان اوجد في واحدة من اواخر قصائده حيزا لسائله المنوي.

'ورد أقل'، هو المرادف الشعري لقمح اكثر، وجذور هذا العنوان موجودة ايضا في بواكير درويش، فقد كتب قبل عقود: انّا نحب الورد لكنّا نحب القمح اكثر. وهذه مناسبة لاستذكار ما سمعته منه ذات يوم وهو انه عندما يكتب النثر يشعر بأنه يرتدي الجينز وقد تخفف حتى من حذائه، لهذا كان امامه اما ان يواصل النثر او يعثر على مصالحة بينه وبين الشعر، فكان كتابه 'في حضرة الغياب' مزيجا من الشعر والنثر، وهذا ما اثار الاستهجان حول هذه المزاوجة التي كان محمود يقصدها تماما.

** * * * * * *

'ورد اقل' لا يعني على الاطلاق شعرا اقل، بل ربما كان الشعر أغزر وأغنى بعيدا عن هذه المفردة الرومانسية، فالورد لا يؤكل وأثمن ما فيه هو رمزيته في الفرح والحزن، بحيث يبقى يقاوم الذبول الى ان ينزف عافيته وشذاه.

اذن هو نزوع ما نحو الواقعية، لكن ليس بمعناها الأفقي او المدرسي، انها واقعية فائقة لا تقدم ما وقع بقدر ما توحي بما سوف يقع، وهذا ليس حكرا على الشعر، فواقعية تشيكوف القصصية من هذا النمط الفائق، لهذا كتب عن احداث لم تقع لكنها وقعت بشكل ما بعد رحيله بزمن ومنها قصة الخادمة التي تقتل طفل مخدوميها كي تنام بعد ان افقدها النعاس رشدها لعدة ليال لم يتح لها فيها النوم.

وربما بسبب هذا الفهم للواقعية خارج مداراتها الايديولوجية المغلقة رأى روجيه غارودي في اعمال بيكاسو واراغون وكافكا وسان جون بيرس واقعية من طراز ما، انها ما سماها في كتابه الذي تناول فيه نصوص هؤلاءء واقعية بلا ضفاف، وهي ما يمكن تسميتها ايضا واقعية الممكن لا المتحقق.

* * * * * * * *
ما من نثر كله نثر، خصوصا ذلك النثر الذي كتبه شعراء او روائيون من طراز لورنس داريل، وهو شاعر له قصيدة شهيرة بعنوان 'الشخص الثاني' فالرباعية ليست نثرا خالصا، وهذا ما دفع سارتر الى اعتبارها واحدة من اهم الروايات التي كتبت منذ دون كيشوت، وقال ان اي سطر فيها يحمل خصائصها الجمالية، وهذا هو النقيض لما يسمى نقديا البقعة القرمزية في النص النثري، حيث تكون هناك بقع شعرية ناتئة عن السياق، بحيث يبدو النص اشبه برجل عار يرتدي ربطة عنق او قبعة انيقة فقط .

والنثر ليس مجرد وظيفة او مطية لايصال المعنى، بحيث يبقى في حده المنطقي الادنى، والا كيف نقرأ مواقف النففري مثلا؟ او المقالات التي نشرها البير كامو بعنوان اعراس عن مدينتي جميلة وتيبازة الجزائريتين.

والمفارقة ان السعي الى شعر اكثر ينتهي بالضرورة الى شعر اقل او الى اللاشعر، وهذا ما تورط به الرومانسيون باستثناءات قليلة توشك ان تؤكد القاعدة، عندما كان هناك معجم مكرس للشعر مقابل معاجم اخرى للنثر، بحيث يقال ان هذه الكلمة او تلك ليست من ملكوت الشعر، واذا كان الفضل في اختراق هذا الافق يعود الى ت. س . اليوت قدر تعلق الامر بالشعر الانكليزي المعاصر، فإن الشعراء العرب وخصوصا رواد الحداثة يعود اليهم الفضل في جعل القصيدة اكثر قدرة على امتصاص رحيق الحياة بكل ما فيها، ومنهم من ادخل الحذاء والشاي والقهوة والجريدة وكل ما يشبهها من مفردات الحياة اليومية الى قصائدهم، لهذا تعرض صلاح عبد الصبور الى نقد لاذع من الرومانسيين او فلولهم عندما قال في احدى قصائده:

رتقت نعلي وشربت شايا في الطريق
والحقيقة ان بواكير الحداثة الشعرية في نهاية الاربعينات من القرن الماضي تتطلب اعادة نظر، والاستقراء النقدي من خلال رؤى مغايرة لتلك التي تزامنت معها، باستثناء ما كتبه الراحلان احسان عباس ومحمد النويهي. فالحداثة لم تكن مجرد بعثرة للعمود واعادة توزيع المفردات على الصفحات، لأن الكثير مما كتبته نازك الملائكة وهي التي تنسب اليها ريادة الشعر الحديث هو عمودي وقد اعيد انتاجه وتوزيع كلماته، وثمة قصائد للسياب ايضا بقيت رغم الاجتراحات التصويرية والعمران الجمالي الفذّ في هذا النطاق ايضا.

* * * * * * * * *
عندما نقرأ ريتسوس واوكتافيو باث الى حدّ ما و ت . س . اليوت وغيفلك نجد ان الورد لديهم اقل، لكن الشعر اكثر، والسبب هو اقتحامهم نهار الجميع وليس المكوث عند ليلهم الخاص، رغم ان النهار لأمثالهم لا يخلو من مقاطع ليلية وظهيرات يلوح فيها القمر.

ولو اتسعت القصيدة العمودية لمتغيرات الحياة وما طرأ من ايقاعات خارجية ونفسية لما كان الشعر الحديث قد ولد على ذلك النحو الصادم، بحيث ظهر في نماذجه الاولى وكأنه اعلان للقطيعة مع ديوان العرب، وهذا ليس دقيقا على الاطلاق، وبالمقياس ذاته فإن ما يسمى قصيدة التفعيلة لو اتسعت لما طرأ على الحياة وايقاعاتها وفضاءاتها لما كانت قصيدة النثر محاولة لكسر الطوق، رغم ان هناك قصائد نثر لا تحصى عمودية بامتياز وان كانت تخلو من الاوزان والقوافي، انها عمودية من حيث الرؤى والوعي والارتهان للموروث الجمالي.

الشعر ليس وردا فقط، وليس قمحا فقط، انه ينقل المزاوجة بين الوردة والرغيف من عالم الضرورة الى عالم الحرية، وهذا ما عبّر عنه شاعر باستثنائية آسرة حين قال:
هكذا هي الوردة، رجاء لا تفرطها ولا تبحث حتى في جذرها عن مصدر شذاها!!

القدس العربي




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :