facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





ربطة عنق الوزير.!


أ.د عمر الحضرمي
20-02-2012 02:16 AM

منذ فترة، وأنا أشعر بالاستفزاز عندما أرى أحد "الأكابر" وهو يلف حول ياقة قميصه ربطة عنق ذات ألوان غريبة. ومكمن استفزازي أحد أمور ثلاثة؛ إما أني لا أفهم بالأناقة الحديثة ومتطلباتها، وهذا يعني أني متخلّف. وإما أن "البيكات" يلتقطون أيّة قطعة قماش ويفصّلونها ربطة عنق، متعمدين أن تكون ألوانها مستفزّة ونافرة وصارخة، وهذا يعني أنهم لا يطبقون المثل "كُلْ ما يعجبك والبس ما يعجبك". وذلك لأنهم لم يعودوا يرون إلاّ أنفسهم، فقلبوا القول ليصبح "كُلْ ما يعجبك، وألبس ما يعجبك"، ولا تسأل بالناس"، لأن هذا يتوافق أكثر مع رؤياهم للحياة والمسؤوليات. وإما أن هؤلاء "البيكات" قد فقدوا الإحساس بالذوق وبمعنى الألوان وبضرورة تنافسها وهدوئها وجمالها، فراحوا يلبسون ما يقوله مجانين الغرب ومتاعيس الشرق.

قبل سنين طويلة، لن أقول عددها خوفاً من افتضاح سِنِيْ العُمر، قبل تلك السنين، كان هناك شخص من بني معروف اسمه "البهلول"، يسكن معنا في الشونة الجنوبية، وكان هذا "البهلول" "يَطْلَع" على عمّان كل شهر ويُحضِر كميّة من الملابس المستعملة "البالة" ليبيعها في البلدة. ومن ضمن هذه "البالة" كان يُحِضر حزمة من ربطات العنق ويعلّقها بخيط "مصّيص" وينادي عليها "صير أفندي بقرش". وكنا نشتريها بعد أن نوفّر مصروف يومين كاملين، ونلبسها على القميص، أو على الثوب وأحياناً على "الفانيلا الداخليّة"، بل كنا أحياناً نلبسها على لا شيء، . ومنا، بالرغم من أنه تسلم مناصب كبيرة في الدولة تمكن معها أن يشتري عشرات ربطات العنق، إلا أن ربطات البهلول ظلت هي الأجمل وهي الأغلى وهي الأكثر إثارة للفرح.

تذكرت ذلك وأنا أراقب ربطات عنق بعض وزرائنا ومسؤوليينا، فهي من مثل ألوان ربطات البهلول، زرقاء مثل الحبر الأزرق، أو صفراء فاقع لونها، أو خضراء مثل "العِشْرِق". وأكثر من ذلك كانت ألوان بعض ربطات عنقنا القديمة من مثل ألوان ربطات جيمس بيكر وزير خارجية أمريكا الأسبق إيّاه.

لم يكن مطلوب منا، أن نوفّق بين ألوان ملابسنا وألوان ربطات عنقنا، ولا أن تتماهي موديلاتها مع موضة تلك السنة. ومع كل ذلك كانت أعناقنا، التي تلتف حولها تلك الأربطة، مشيرأبة نحو الشمس، ولم نشعر في يوم من الأيام أن أحداً قادر على أن يخنقنا بربطات العنق التي كان البهلول يُحْضِرها من سوق البالة في العاصمة، ولكن كان أهل عمان عندما يأتون إلينا في الأغوار متنزهين في فصل الشتاء، ويروننا نتبختر "ونتحالى" بربطات العنق هذه، كانوا "يفرطون" من الضحك علينا، أولاً لأن ملابسنا لا تتناسب أن يُلبس عليها ربطة عنق، وثانياً لأن ألوان الربطات كانت غريبة. واليوم وقد "هرمنا" بعد أن سافرنا إلى بلاد الدنيا وقرأنا أسفار العلوم، وأطلّعنا على كتب "الموضة" ومجّلاتها، عادت بنا الذاكرة إلى الشونة الجنوبية، وأخذنا نتساءل لماذا كان أهل عمان يضحكون على ألوان ربطات عنقنا القادمة من البالة، ونحن لا رأي لنا في اختيارها، لأن البهلول هو الذي كان يُحضرها لنا من عمان "بالوزن"، وهو الذي كان يعلقها بخيط "المصّيص"، وهو الذي كان يأمرنا بأن نأخذ أول ربطة تصادفنا دون أن "ننقي"؟ لماذا كانوا يتندّرون بنا، مع أن ربطات أعناقهم هي نفس ربطات أعناق البهلول، سواء من حيث مصدرها أم من حيث ألوانها؟

ومع كل ذلك فإن عقولنا بدأت تدرك الآن أن ربطات أعناقنا كانت مقنعة لنا، ومن حرّ مالنا، ولم تخنقنا يوماً من الأيام، ولم نَخْنق بها أحداً في يوم من الأيام، فلماذا كانوا يضحكون منا ويستهزئون بنا، خاصة وأن ألوان ربطات أعناقنا أنذاك التي كانت مضحكة لهم، تشبه ربطات أعناقهم اليوم.
ولكن هناك فرقاً حقيقياً يا سادتي، هو أن ربطات أعناقنا التي كان يحضرها "بالوزن" البهلول من عمان كانت تلتف حول رقاب لم تخضع في ساعة من نهار إلا إلى الخالق عزّ وجل، ولم تُعقد عقدتها إلا أيدي شققتها الشمس وحفرت فيها الفؤوس و"الطواري" أخاديد كنا نمسح عليها، قبل أن ننام، بشيء من زيت الزيتون الطيب الطاهر، المعصور من شجرة مباركة لا شرقية ولا غربية، أو نملأ حفرها "بالوازلين". وقبل ذلك كلّه كنا نشتريها بحُرّ مالنا.
واليوم، أنا ورفقاء الصبا الذين كنا زبائن للبهلول، نفرح من أعماقنا ونحن نرى ربطات العنق التي يلبسها المسؤولون اليوم، لأنها نفس النوع ونفس اللون الذي كنا نلبسه، فنهمس بين بعضنا أننا كنا حضاريين "من يوم يومنا".
ومن "الآخِرْ"، فيا سادتنا، أمامكم خيارات ثلاث؛ إما أن تسحبوا ضحكاتكم واستهزاءاتكم التي كنتم تشوون بها ظهورنا قديماً، وإما أن تسمحوا لنا أن نستهزأ بألوان ربطات أعناقكم دون أن تحاكمونا أو تقطّعوا ألسنتنا. وإن كان لا هذا ولا تلك فلا نملك إلا أن نقول لكم، حسبنا الله ونعم الوكيل على ما تصفون.
سائلاً المولى السميع العليم أن تُفهم هذه المقالة في حدود حروفها ومعانيها، وألاّ يستنبط منها أحدٌ معاني تتجاوز قدرها ومقدراها. أما إذا فسّرها البعض على قياسات ارتدادات العقل المُدْرِك، فهذا لأن عقلهم عقل نيّر، وهذا لا ذنب لي فيه. وأنا ما عليّ إلا أن أقول وما عليهم إلا أن يفهموا.




  • 1 خالد الغامدي الدمام المملكة العربيه السعوديه 20-02-2012 | 05:12 PM

    صح لسانك عمي العزيز


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :