facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





أكثر من أثر للفراشة


أمجد ناصر
11-01-2008 02:00 AM

سمعت محمود درويش يقول، ذات يوم، إنه لم يختر عناوين عدد من أعماله الشعرية. فقد ترك هذه المهمة، الثقيلة، أحيانا، لناشره. إن لم أكن مخطئا في (سمعي) أو ذاكرتي، فذلك يعني أن تأويلاتنا لبعض عناوين أعماله، بصفتها عتبات او مداخل للقصيدة، قد ذهبت أدراج الرياح، فأن يضع الشاعر (او الكاتب) عنوانا لكتابه غير أن يصدر فعل التسمية هذا من ناشر. قد أكون سمعت ذلك، فعلا، من درويش نفسه، أو قرأته في حوار له، وقد لا أكون، لكن من شبه المؤكد أنه اختار عنوان كتابه الجديد (أثر الفراشة) ولم يترك لرياض الريس (وهو واضع عناوين محترف بحكم خبرته الصحافية الطويلة) تلك المهمة. برهاني علي أن الشاعر هو من وضع عنوان (أثر الفراشة) لا الناشر، الدلالة الخاصة لهذا العنوان.
لم يعجبني عنوان عمله الشعري ما قبل الأخير (كزهر اللوز أو أبعد) لأنني لم أعثر علي دلالة خاصة للعنوان. وجدته غنائيا أكثر من اللازم، أو فضفاضا علي المستوي الاستعاري، متفلِّتا، لا ينعقد علي معني بعينه. لم أفهم ماذا يعني أن يكون (الشيء) أو (المعني) كزهر اللوز أو أبعد منه. قد يقول قائل: لا ينبغي أن يشير العنوان الي معني مباشر أو ملموس. وأقول مع القائل: صحيح، لا ينبغي أن يكون العنوان مباشرا، وهو ليس، بالضرورة، تلخيصا أو كشفا مبكرا لـ (فحوي) الكتاب، ولكنه قد يكون مفتاحا لغرفته السرية أو وسيطا بين النص والقاريء علي حد تعبير جيرار جنيت.
خطرت في بالي هذه التساؤلات عن (دلالة) العنوان وأنا أقرأ كتاب درويش الأخير (أثر الفراشة).
ہ ہ ہ
قد يكون هناك أكثر من سبب لاختيار درويش أثر الفراشة عنوانا لكتابه الجديد، لكن ما يقفز الي أذهاننا، فورا، لدي قراءة هذا العنوان، أو سماعه، هو الفرضية الفيزيائية المسماة، بالضبط، (أثر الفراشة). تقول هذه الفرضية الفيزيائية، إن فراشة ترفرف بجناحيها في غابة بالبرازيل قد تتسبب، بعد وقت، في حدوث عاصفة في تكساس! نفهم من هذه الفرضية، التي يستشهد بها أنصار البيئة والمتكلمون في الاحتباس الحراري، أن الأرض صغيرة رغم اتساعها، ومترابطة رغم انقسامها قارات، وأن فعلا صغيرا في زاوية معزولة في العالم قد يؤثر علي مصائر الحياة في مكان يبعد عنه الآف الأميال.
هكذا يمكن لقاريء كتاب درويش الجديد أن يقع علي دلالة تتجاوز الفرضية الفيزيائية، التي يحيل اليها العنوان، الي ما هو ابداعي، لمن يبحث عن الجمالي، والي ما هو سياسي لمن يبحث عن الشأن العام في نتاج شاعر محاصر بسياج من الرهانات الوطنية. قد لا تكون الكتابة فعلا ديموقراطيا ولكن القراءة، ربما، كانت كذلك. فالكاتب لا يستطيع أن يفرض وجهة محددة علي المتلقي. فمَنْ بمقدوره أن يمنع قارئا من الاستنتاج ان أثر الفراشة في عنوان كتاب درويش يحيل الي النضال الوطني الفلسطيني؟ رفيف جناحيِّ الفراشة في مواجهة الميركافاه والبلدوزر! أو أثر رفرفة جناحي الفراشة الواهنين المزلزل (علي هدي فعلها الفيزيائي) في جدار الاحتلال كله وليس جدار الفصل العنصري فقط.
لا أحد يستطيع أن يمنع استنتاجا كهذا. وقد لا يكون هذا الاستنتاج بلا وجاهة.
ہ ہ ہ
ولكن ماذا عن الكتاب؟
يصنف محمود درويش كتابه الجديد، الصادر عن دار رياض الريس، في باب (اليوميات) ويقول انها كتبت بين صيفي 2006 و2007. ولا شك ان هذا التصنيف متواضع، إذ بمقدور الشاعر أن يضع كتابه في خزانة الشعر. لأنه ينطوي علي شعر، بالمعني التجنيسي للكلمة. فهناك قصائد قصيرة كاملة الأوصاف. قصائد قصيرة، ذكية، محكمة، تراقب، بتأمل، عالم الذات وعالم الواقع، وتحمل بصمة الرقة والسهولة والتدفق التي يعرفها شعر درويش بصرف النظر عن (الموضوع) الذي يتصدي له. كما كان بامكان درويش أن يسمي مادة كتابه (تأملات) بدلاً من (يوميات) التي تحيل الي نوع محدد من الكتابة يعمد اليه المرتحل او الكاتب او الموظف العمومي الرفيع لتدوين ما رآه أو مرَّ به من وقائع وما سمعه من أخبار .
هناك حيرة، لا شك، حول (جنس) هذه الكتابة دفعت درويش الي اختيار (تصنيف) لا ينطبق كثيراً علي مادة كتابه. والحيرة صارت من فضائل محمود درويش، مثلها مثل القلق الوجودي والابداعي الذي يعبر عنه نتاجه في العقدين الأخيرين. ليس علينا، كقراء، أن نلتزم بما يسمي به محمود درويش كتابه. لأن الكتاب يعطينا الحق في اختيار تسميات أخري، باعتبار القراءة حمالة اوجه، كما أن القراءة تمنحنا، مثلما أسلفت، حق وضع النصوص علي الرف الذي نرغبه. يمكنني، والحال، أن أسمي شعره شعراً ونثره قصائد نثر، لا يوميات. وفي ظني أن درويش اقترب، في (يومياته) هذه، أكثر من أي مرة أخري، من قصيدة النثر بالمعني الغربي للكلمة. أي القصيدة ذات الكتلة النثرية العريضة، التي لا تأنف من السرد والإخبار والتأمل والتداعي، مستخدمة النثر (وسيطاً يومياً ونبيلا) علي حد تعبير صبحي حديدي.
في أثر الفراشة هناك قصائد نثر ترتدي قناع اليوميات المراوغ، وقد سمحت لنا هذه القصائد (أو هذا النثر) أن نعرف درويش أكثر، أن نعرف أفكاره أكثر، أن تتسلل آراء وتصورات وشظايا سيرة شخصية وأحلام وكوابيس لم تكن تتراءي لنا، علي هذا النحو، سابقاً.
كتب محمود درويش يوميات من قبل. كتبها ونشرها في الصحف والمجلات، لكنها لم تكن مثل هذه (اليوميات). لقد وضع درويش عنوانا مراوغا ومضللا لمادة كتابه الجديد. ترك طُعما للقراءة والنقد. فالرأي عندي انه أراد أن يجرِّب. أن يتجاوز الصيغة (التقليدية) للكتابة الشعرية التي أصيبت بما يشبه الارهاق الجمالي (لهذا التعبير الأخير أكثر من أب وأم منهم سلمي الخضراء الجيوسي) إلي فضاء أوسع يستضيف القصيدة الموزونة والقصيدة النثرية، اليومي والتأملي، العابر والجوهري. ها هو يقترب، أكثر من أي وقت مضي، من قصيدة النثر من دون أن يسمي صنيعه كذلك، كما أنه يرغب في مقاربة (الشأن العام) من زاوية مختلفة عما عهدناه عنده، وبالتأكيد، من زاوية مختلفة، تماما، عما تفعله الكتابة الفلسطينية في هذا الخصوص.
وكان يمكن للكتاب أن يتحلي بوحدة (عضوية) أكثر لو أن محمود درويش لم يضمنه القصائد الموزونة التي تخللت الكتاب وشوشت (وحدته). لم أقل لمحمود درويش لِمَ اخترت هذا العنوان لكتابك، ولكنني قلت له ان الكتاب كاتبان: كتاب قصائد موزونة وكتاب قصائد نثر. لم يعجبه، علي ما أظن، رأيي، ولكنه قد يكون فكَّر فيه. أما حديثي معه عن كتابته لقصيدة نثر تحت قناع (يوميات) فربما ظن أنني أزين له اللعب خارج ملعبه! (القدس العربي).




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :