facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





أبي: بدوي عشق الصحراء .. وسورة يس!


د. وليد خالد ابو دلبوح
20-10-2013 05:31 PM

في الذكرى السنوية لوفاة أبي: بدوي … أبى أن يهاجر!

أرهقني حِمل هذا المقال ... أرهقني حمل الصحراء وذكريات فلذة كبدها ... لا أعرف ماذا أخط ... ومن أين أبدأ ... وكيف أنتهي... أجمع فيها قطع متناثرة من ثوب يوسف ... فيها استذكار لماضٍ شديد ... فيها قصة وفاء جمعت ... بدوي ومعشوقته الصحراء... أدمت قلبة وقدماة ما ...

هاجرطفلا معشوقته ... طامحا 'مكرها' ... وعاد اليها ... يهرول طوعا ... طفلا رجلا ... وصلها متأخرا يكتوي شوقا ... فتلقفته ... وحضنته وقبّلته بين العينين ... وتحت الجبين ... وفرشت له الأغلى من الكحل في عليائها ... وضمته في أحضانها الى يوم يبعثون... وأطبقت عليه شوقها ... وامتزج الأسمر من حنائه وحنائها ... وهي تدعو له ... راضية عنه ... الى يوم الدين!

منذ شهر ... و'ذكرى' ... وفاة والدي الخامسة عشر ... أنشأت تتزين أمامي شيئا فشيئا ... يوما بعد يوم ... صور تصطف حسب أبجديات التاريخ ... وأولويات الأقدار والغدرات ... تكتمل يوما بعد يوم ... تتجمع صفا صفا ... حتى تتهيأ لتكتمل قمرا بدرا ... في 21 اوكتوبر من كل عام ... ولنلتقي مجددا... وكلانا ينظر الساعه ... لا أريدها أن تقترب أكثر ... كوني أعلم ... كما تعلم 'ذكرى' جيدا ... انها ان وصلت لن تأتيني زائرة بمفردها ... ستأتي مقيمة الى حين ... ومعها صور وسحب دخائن ودفاتر ومواويل... ولكنها هاهي وقد وصلت ... وصدق المجد والتاريخ مجددا ... وها أنا أدون ما يمليه الماضي ومداد السنين ...

أبي ... والطموح ... وما فوق السطور!

ظن أبي أنه مغادرها ... فأبت البيداء أن تترك وليدها ... فلذة كبدها كيف لها؟ ... فلازمت فؤاده من حيث لا يدري ... اذ أحب والدي اللون الكستنائي الخجول ... لون البادية الأسمر الممتد ... واذ عذبته المدنيه ... وعاندته ... رجل كان لا يقوى على التفاعل مع ... زعرنة الأضواء ... والفوشي من الألوان ... ظن انه يحسن التكيف معهم ... فلبس الكندرة البيضاء ومجّ السيجارة وركب الفورد واعتلى النيابه... ولكنه ... فوق هذا وذاك .. لم يُحسن عقد ربطة العنق ... فلفظها ... وتحلل منها ... الى غير رجعة ... وهناك كانت النهايه!

قصة ابي أعجمية الاعراب... سوسنية الفطرة ... بدايتها شابهت نهايتها... وما بينهما أعمدة دخائن جولدستارضبابيه... تنفث جُلّ اسرارها الى عالم الغيب ... قد انسلت في أفلاك السماء ... من زمن بعيد ... الى بعيد ... من نافذة منزلنا في الدور الثالث في جبل الحسين ... ولكن وكيفما قلّبت جانب من قصة أبي... ستجد في ظلالها ... قبضة من علم هنا ... ونظرة من عتاب هناك ... وخنجر شاعر 'محب' هنا وهناك ... ودائما ما تتوسط المتناقضات من هذه الصور ... سور ... وتراتيل سورة يس!

أبي في طلب العلم:

ولد وترعرع ابي في قرية الرحاب المفرق, وبالكاد خرج منها وهو طفل يتشبث ثوب أمه 'قطنه' ... مولودة عام الثلج ... ليشق والدي بدايات سيرتة العلمية في ابتدائية السلط قبل أن ينهي دراسته من ثانويه اربد, والتحق فيما بعد بكلية الحقوق في جامعة بغداد حيث تخرج منها عام 1956 , وأصبح أول جامعي في تاريخ قبيلته. أصبح قاضيا لامانة العاصمة ومن بعدها مدعي عام في الكرك في نهاية الخمسينات من القرن المنصرم. ثم اصبح نائبا وهو في الثلاثين من عمره لدورتين متتاليتين في بداية السيتينيات, حتى حُل البرلمان... ولم يعود اليه ابدا... عاش في كل قرية من أهل فبيلته وعاشوا معه ... ودخل كل منزل ... امتهن المحاماة بعد أن عاف السياسة .. ولكنها ... لم تحل عنه ... وبقيت تلاحقة حتى عاد مهرولا الى بطن أمه ... الصحراء!!

عاند 'العلم' أبي في بدايات حياته, ونالت العصي من أقدامه وهو طفل, عندما استعصى عليه تهجي .. اذا زلزلت الأرض زلزالها ... في درس الدين ... وتعلق قلبه شيئا فشيئا في الهم العربي والتحق في قافلة 'كلنا في الهم شرق' ... نافست القدس معشوقته الأولى البيداء ... و استطاع ان يضمهما معا ويمضى متسلحا بهما ومن أمامهم ومن خلفهم 'يس' ... ! أرهقته القدس وبغداد وقهرا وضنكا في حياته مثل سائر كثير من الوطنيين في الوطن العربي ... وتنقل في سنواته العشر الاخيره بين المكتب والمسجد والفراش.

أحب أبي علي بن أبي طالب ... وكان قدوتة... وأحب 'كهيعص' وسيدتنا مريم العذراء حبا جما ... كيف لا وقد كانت دوما تزاورة عادة في المشفى ... وبالتحديد قبل أشهر من وفاته .. وعند ليلة اجراء كل عملية جراحيه ... وكان يراها مستيقظا وبحضور والدتي ... رأي العين ... وبرداء الازرق ... كما وصفها والدي لأمي ... جائته مؤازلاة ... في لمة الظلمة ... وعتمة الغربه ... ووحشة المكان ...

احب عائلته وجيرانه ... وأحب بناته 'الاميرات' كما كان يناديهن ... وأكبرامي كثيرا في بصمت ... واتعبها بقدر ما احبها ويزيد ... كان جاد ومتفائل دوما ... يصدق كل شيء ... لم يميز كثيرا بين الطرفة والجِد من القول ... وكان جوابه في نهاية كل نكته ... 'يا سلاااام' ! يطرب للفكاهة ولا يجيدها ... تمنى لو تعلم فن السياسة وحب الفكاهة من ابناء الكرك حيث عايشهم وكان مدعي للعام هناك ... عندما يشرب الشاي ... يُعلم كل من في الحي .. واحب البطيخ من الفاكهة ... والسمن والمخشرم والزبيب ... وعندما يدخن لا يعرف المتكه ... يسرح في السماء ويتركها تحترق قطعة واحده ... كان من اواخر المغادرين من المسجد أيام الجمع ... يكره صعود الدرج .. اتعبه كثيرا .. يصل البيت يلهث ... مبتسم محمل بالاكياس ... كان يلبس الشماخ الاحمر والابيض ... لم ينتمي الى أي حزب ... كنا نتعرف على جل بقية جوانب حياته من احاديث الناس ... لا أذكره أن ذم شخص أمامي قط ... كلما ذُكر شخص امامه تحدث عن فضائله وفضائل عائلته ... او ان قابل عائلة شخص ما .. رفع يديه عاليا اكبارا لعائلته وعشيرته ... ضعيف في الدفاع عن نفسه ... لا يجيد فنون الاتصال اطلاقا عندما يتعلق الامر به ... كان أفضل بالتعبير عنها في الدفاع عن قبيلته واردنه وقوميته بكثير ...

الخاتمة:
كان أبي 'طير' سوسني عاتب ... أبى أن يهاجر ... فكظم جرحه وابتسم ... وعضّ بالسيجارة ... وتسلح ب 'يس' ... ومضى! عاشت أمي مع أبي صنوف التقلبات والتعرجات ... تحدثت عن الوجه الصامت لابي ... وجاهدت في التعبير عنه ... ولا زالت ... تمضي في مسيرة الوفاء في قصة أبي حيث ام تنتهي بعد!

رحم الله أبي ... وندعو له وللمؤمنين مع تحت الأرض ... أن يسكنهم فسيح جنانه... أمين ... يا رب العالمين... الفاتحه.




  • 1 abdullah awamleh 26-10-2013 | 11:02 PM

    الله يرحمه ويجعله من اهل الجنه
    وانا لله وانا اليه راجعون


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :