facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





التصدّعات الخمسة في البناية التركية


جهاد الزين
03-12-2013 04:12 PM

بات يمكن تشبيه وضع رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان بحالةِ بنايةٍ، طوابقُها الظاهرةُ فوق الأرض تعمل بشكل طبيعي من حيث إمدادات الماء والكهرباء والنظافة والصيانة ولكن أساساتِها تحت الأرض آخذةٌ بالتصدّع.

... تراكمت التصدّعات في السنتين الأخيرتين على مستوياتٍ خمسة:
الأول هو بدون أدنى شك ما سبّبه ظهور مأزق السياسة التركية في الأزمة السورية من ردود فعل في الصحافة التركية ومن معلّقين كبار كانوا سابقا في جانب قيادة أردوغان و'حزب العدالة والتنمية'. وهو مأزق ذو وجوه متعدّدة منها تفاقم الضغط الكردي على حدود تركيا الجنوبية وانكشاف معظم الحدود مع سوريا عن ظاهرة ديموغرافية كردية سيطرت عليها من الجهة السورية قوة مؤيّدة لحزب العمال الكردي داخل تركيا بقيادة السجين عبدالله أوجلان.

ومنها الحساسية العلوية المربكة وخصوصا في محافظة 'هاتاي' (اسكندرون) وتقاطعها ولو بشكل غيرمباشر مع الاحتقان العلوي في العمق التركي الناتج عن عدم تلبية مطالب 'مؤسساتية' للعلويين الأتراك ومن ضمنهم تقليديا كتلة مهمة كردية. كل ذلك بالترافق مع وجه آخر للمأزق هو المشاكل والمخاطر التي نتجت عن 'بكستنة' الحدود مع سوريا من حيث اعتماد المخابرات التركية على تسهيل مرور الإسلاميين الجهاديين إلى داخل الأراضي السورية كما فعلت المخابرات الباكستانية في الحرب الأفغانية ضد الاحتلال السوفياتي ثم في التسعينات وما تلاها من تشجيع ظاهرة 'طالبان' كقوة جيوبوليتيكية للسياسة الباكستانيّة داخل أفغانستان وبدعم من حُكّام باكستانيين لا صلة أيديولوجية بينهم وبين 'طالبان' مثل بنازير بوتو ونواز شريف وبرويز مشرَّف، بما حوّل هذا الدعم إلى 'سياسة دولة'.
هذا هو المستوى الأول للتصدّع في 'البناية' الأردوغانية.

أما المستوى الثاني فهو المتعلّق بما بات يسمّيه سياسيّون ومعلّقون أتراك 'السياسة المذهبية' التي انخرط رجب طيّب أردوغان فيها في كل المنطقة. النقد (التركي) لهذه السياسة يقوم على أنّ الجاذبية التركية في العالم العربي والمسلم كانت تستند ولا تزال على حجم النجاح المميّز الذي حقّقته تركيا بجهود عدة أجيال من تحديث اقتصادي وسياسي في عالم اليوم وبصورة خاصة 'حزب العدالة والتنمية'. وهذه الجاذبية كانت تشمل كل نخب المنطقة المتطلّعة إلى 'نموذج' مسلم للتحديث ولم تكن تحتاج إلى أي استقطاب مذهبي وبهذا كانت تركيا مختلفة عن كل من إيران والسعودية. لكن سياسة أردوغان صَدّعتْ ولا تزال الوجه المسلم التحديثي لتركيا لصالح وجه مذهبي سقطت في فخّه في العراق وسوريا ولبنان وأفقدها الكثير من بريقها في جو مذهبي انتقلت فيه كلاعب إقليمي إلى الصفوف الخلفية قياسا بالصف الأول الذي تحتلّه على هذا الصعيد إيران والسعودية.

المستوى الثالث للتصدع هو الأعقد ولكن ربما الأقوى وهو التصدّع الشبابي الذي ظهر انطلاقا من قضية 'حديقة تقسيم' التي تحولت إلى مواجهة بين فئات شبابية ونخبوية جامعية واجتماعية في المدن الكبرى وفي مقدّمها اسطنبول وبين أردوغان وسلطته. الذي لم يفهمه أردوغان، بل لم يقبله في هذه الأحداث أنها تعبّر عن تململ الفئات الشبابية الأكثر طليعية في المجتمع التركي الراهن الذي ساهم هو في بلورته في السنوات العشر الأخيرة. الذي لم يفهمه أردوغان أن هذا الجيل المعترض في ساحات اسطنبول وأنقرة وأزمير والحامل لأفكار ليبرالية وغير إسلامية وحتى غير قومية هو 'جيل أردوغان'! لهذا تمسّك رئيس الوزراء وبعناد مدهش بفكرة أن المعترضين أقليّة في المجتمع التركي – وهذا صحيح عدديا- فيما هو يمثّل الأكثرية الانتخابية (متى كانت الطليعة أكثرية؟!). وذهب ليبرّر عناده إلى التحدّث عن 'مؤامرة خارجية' آخر الإشارات الطريفة إليها جاءت مؤخّرا على لسان أحد مستشاريه الذي أتهم 'شركة لوفتهنزا' للطيران الألمانية بالوقوف وراء أحداث 'تقسيم'!

هكذا على هذا المستوى الثالث بدأنا نشهد ظاهرة غير مسبوقة هي انشقاق نواب وقيادات وحتى مستشارين في 'حزب العدالة والتنمية' عن الحزب. بل لاحظنا المسافة التي أضطر لأخذها ضمنا وأحيانا بشكل 'أنيق' علنا رئيس الجمهورية وشريك أردوغان المؤسّس للحزب عبدالله غول.

أما المستوى الرابع للتصدّعات فهي راهنة وقد تكون عميقة التأثير انتخابيا. إذْ برز خلاف كبير حول بعض وجوه النظام التعليمي التركي بين أردوغان ووزير التربية في حكومته وبين'حركة فتح الله غولن' أكبر حركة إسلام تربوي في تاريخ الجمهورية التركية وذات الطروحات الحديثة والمعتدلة والتي يقودها الداعية فتح الله غولن المقيم في بنسلفانيا والمشرف عبرها على حوالي خمسماية مدرسة ومعهد داخل وخارج تركيا... هذا الخلاف قد يصبح له تأثير انتخابي خطِر لأن هذه الحركة كانت تشكّل قاعدة دعم شعبي عريضة لـ'حزب العدالة والتنمية' على مدى ثلاث انتخابات... دون إعلان عام 2002 و بدعوة صريحة عامي 2007 و2011 وهي تملك صحيفة 'زمان' إحدى الصحف التركية الرئيسية اليوم والتي باتت في المعارضة في أكثر من موضوع بدءا من 'أحداث تقسيم' (ناهيك عن نفوذها في مؤسّسات داخل الدولة).

أما المستوى الخامس الذي كشفت عنه تطورات الأحداث في مصر في الأشهر الأخيرة فهو التلازم بل التحالف التام بين أردوغان و'الإخوان المسلمين' العرب وفي المقدّمة المصريّون منهم. هذه الأزمة تطيح اليوم بالعلاقات مع الدولة المصرية التي طردت السفير التركي من القاهرة وردّت عليها أنقرة بالمثل طبعاً.

المستويات الخمسة يحمل كلٌ منها، عدا عن الخسائر التي حصلت، مجازفاتٍ آتية كبيرة يظهر بعضها الآن في مدى صعوبة محاولة أردوغان التوفيق بين اعتماده (الناجح اقتصاديّاً) على العلاقة مع إقليم كردستان العراق وبين 'استعادة' علاقات اقتصادية ونفطية مهمة مع حكومة بغداد ناهيك طبعا عن الاصطدام المتمادي مع أكراد سوريا وانعكاسه على طموح أردوغان المتعثِّر لحل للمسألة الكردية داخل بلاده.

رجب طيّب أردوغان قوي شعبيا ولكن يجب أن لا تخدعنا (وتخدعه) قوة الطوابق الظاهرة من البناية. ثمة تصدّعات في الأساسات. ولربما كان شعور الإدارة الأميركية بوزن هذه التصدّعات هو الذي جعلها تنفتح على القوة الرئيسيّة في المعارضة البرلمانية، 'حزب الشعب الجمهوري'، في دعوة لرئيسه كمال كليشدارأوغلو إلى الولايات المتحدة استهلّها أمس، وهو ما أسماه معلّق تركي 'إعادة اكتشاف واشنطن لحزب الشعب وإعادة اكتشاف الحزب لواشنطن' في زيارة هي الأولى لزعيم لهذا الحزب، بصفته رئيسا له، منذ السبعينات؟
في العمق دخلت تركيا مرحلة انتقالية بطيئة نحو 'ما بعد رجب طيّب أردوغان'. فكيف ستعبّر عنها؟ من داخل 'حزب العدالة والتنمية' أم من خارجه؟
(النهار اللبنانية)




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :