facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





مواجهة مع النفس


بلال حسن التل
26-01-2014 02:48 AM

ما زال الأردنيون يتحدثون عن سنة «الثلجة الكبيرة» رغم ان جلّ الأحياء من الأردنيين لا يذكرون شيئًا عن هذه الثلجة، وحتى في أية سنة وقعت، لكنها صارت جزءًا من الموروث الشعبي للتعبير عن قسوة موسم الشتاء في تلك السنة التي صارت مقياسًا للبرد والمطر؛ ونحسب ان العاصفة الثلجية هي الأخرى صارت مثل «الثلجة الكبيرة» لكن مع فارق هامّ هو ان الكسا صارت في أحاديثنا عنوانًا لحجم الخراب الذي أصابنا، وأصاب أداءَنا أفرادًا ومؤسسات فمثلما كشفت العاصفة الثلجية الكسا حجم الخراب في البنية التحتية في بلدنا، كشفت قبل ذلك الخراب المروع في بنيتنا الاجتماعية، خاصة في جانبها القيمي والسلوكي، وقدمت دليلاً ماديًا ملموسًا، على أن شرائح واسعة منا صارت منفلتة من كل قواعد الانضباط والنظام، بدليل عدم انصياع هذه الشرائح لتعليمات وإرشادات الأجهزة المعنية، خاصة لجهة عدم الخروج من المنازل، أثناء العاصفة الثلجية إلا للضرورة القصوى، حفاظًا على حياتهم، ولتسهيل عمل فرق الإنقاذ، وعملية فتح الطرق، ومع ذلك وجدنا الآلاف من الناس ينزلون إلى الشوارع بدون ضرورة فيغلقونها بعرباتهم المعطلة، ويربكون عمليات الإنقاذ، عندما يتحولون إلى عبء عليها، بدلاً من ان يكونوا عونًا لها، خاصة وان كثيرين منهم كانوا يحملون أسرهم من أطفال رضع وشيوخ ركع في عربات غير مجهزة، ويخرجون بهم إلى الشوارع بحجة مشاهدة الثلج واللعب به، بكل ما في ذلك من خطر على حياتهم -وهذا حضيض اللامسؤولية – وعندي، إنه من لا يتحمل المسؤولية تجاه حياته وحياة أسرته، لا يمكن ان يتحملها تجاه أي شيء آخر في هذا الوطن.

غير تفلت شرائح واسعة من قواعد الانضباط والنظام، فقد كشفت العاصفة الثلجية أيضاً تعطيل العقل عند هذه الشرائح المنفلتة من الانضباط والنظام، حيث حل العناد الكافر محل العقل، فكثيرون هم أولئك الذين لم يكونوا يلتفتون إلى تحذيرات الجهات المعنية، أو حتى المحيطين بهم عبر السير في هذا الشارع أو ذاك، ومع ذلك كانوا يضربون عرض الحائط بذلك كله، فيركبون سياراتهم ويقودونها بسرعة لا تتناسب مع قواعد السير في مثل الأحوال الجوية العاصفة أو بعكس السير، ما يسبب ارتطامها بغيرها من السيارات، أو بالأرصفة أو بالجدران، فتكون عاملاً آخر من عوامل الازدحام وتعطيل عمل الجهات المختصة، علاوة على الخسائر المادية لهم ولغيرهم، وقد فات هؤلاء المعاندين أن تصاريف الخالق لا تعاند، وان أكثر الدول تقدمًا وعلمًا، تقف عاجزة أمام هذه التصاريف.. فقد رأينا ماذا فعلت الأعاصير والعواصف بالولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الأكثر منا تقدمًا وإمكانياتٍ، وانضباطًا. فلماذا يصر بعض الأردنيين على أن لا يتعظ إلا من تجربته عندما يعطل عقله ويمارس عناده كما رأينا خلال عاصفة الكسا؟.

عيوب كثيرة في بنيتنا الاجتماعية كشفتها العاصفة الثلجية، غير أن أسوأها هو تحكم الأنانية في شرائح واسعة منا، وغياب روح التعاون عنهم، وسيطرة الاتكالية عليهم. فقد كان الواحد منا يتصرف وكأنه محور الكون، وأنه ليس أمام الدفاع المدني والأمن العام والدرك، والأمانة، والقوات المسلحة، إلا تلبية رغباته هو، حتى لو وصل الأمر إلى طلب إحضار حلويات أو زفة عروس. وهذه الأنانية والاتكالية هي التي جعلت أكوام الثلج متراكمة أمام منازلنا وفي أفنيتها، وقد فاتنا جميعًا انه في كل دول العالم المتحضر يقوم كل مواطن بإزالة الثلوج من أمام منزله ومتجره، ويتعاون أبناء الحي الواحد، على إزالة الثلوج من ممرات حيهم، لتتولى السلطات العامة فتح الطرق والشوارع الرئيسة، حيث لا يشغلها الناس هناك بطلبات شخصية تُعبر عن أنانية مفرطة واتكالية أكثر إفراطًا كما يحدث عندنا.

غير الأنانية هناك مرض خطير كشفت عنه العاصفة الثلجية يتمثل في حجم الجشع الذي يتحكم بنا، والانتهازية التي تحكمنا. فهل يعقل ان يصل سعر كيلو الخبز إلى أكثر من دينار؟! ويتضاعف ثمن اسطوانة الغاز، وتصبح أجور المواصلات فلكية، ثم نتحدث عن كرمنا ونخوتنا وشهامتنا. فإن لم تظهر النخوة والشهامة ويتجلى الكرم في أوقات الشدة فمتى يحدث ذلك؟ وما فائدته في غير وقته؟.

شيء آخر أكدته العاصفة الثلجية، هو أننا نتقن فن الانتقاد، وترويج الإشاعات، دون ان نتبين الحق من الباطل، بل أكثر من ذلك.. فإننا نميل إلى تشويه الصور والإنجازات الجميلة في بلدنا، ونحاول عدم تصديق أي شيء إيجابي من خلال التشكيك به، وهذا تجسيد لحالة انعدام الثقة بالنفس التي استوطنتنا، والتي علينا معالجتها قبل ان تقضي على ما تبقى من مكونات الثقة لدينا.

لقد صار الانتقاد بدون دليل مرضًا مستعصيًا عند بعضنا، والحالة الوحيدة التي ننقلب فيها على هواياتنا للانتقاد هي عندما يأتي هذا الانتقاد من مسؤول، حتى لو كان ما يقوله هذا المسؤول هو عين ما نقوله نحن. وآخر صور هذا الانقلاب على ما نقوله ما حصل مع وزيرة التنمية الاجتماعية، فما قالته الوزيرة وفي جلسة غير رسمية، لا يختلف عن ما قاله ويقوله الكثير من الأردنيين عن عيوبنا الاجتماعية، خاصة أثناء العاصفة الثلجية الأخيرة، وهو صحيح.. وان كانت الوزيرة لم تحسن اختيار الكلمات، فعذرها انها لم تكن تتحدث بصفة رسمية، بل كسيدة أردنية تصف حال بني قومها، وأنا هنا لا أدافع عن الوزيرة، ولكنني استشهد على سرعة انقلابنا على ما نقول، إن توافق هذا الذي نقوله مع ما يقوله مسؤول في الدولة، وكأن الوطنية والرجولة والمعارضة صارت بأن لا نصدق مسؤولاً أو أن نعاديه، وهذه من صور الخراب في بنيتنا الاجتماعية أننا فقدنا ميزان الموضوعية.

خلاصة القول: إن العاصفة كشفت الكثير من عيوبنا، وأخطر ما كشفته هو حجم الخراب في منظومتنا الاجتماعية، التي صار من الضروري أن نواجه النفس بحقيقتها، لنتمكن من علاجها. فالاعتراف بالمرض أول خطوات علاجه.
(الرأي)




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :