facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





"البحر الهادئ لا يصنع بَحّاراً ماهراً"


أ.د عمر الحضرمي
26-02-2014 01:34 PM

عندما يتحدث برنارد شو، تسكت معظم الأصوات حوله، إنْ لم يكن كلها. فهو يصدر في قوله، عادة، عن فهم وعمق وتجربة وخبرة ونباهة ووعي. وكثيراً ما تسلق الاخرون على ساقيه يريدون أنْ يصلوا ولو إلى أدنى مدى انحناءة ركبتيه.

يقول شو'إن البحر الهادئ لا يصنع بَحّاراً ماهراً'، فالأحداث هي التي تملأ مخزون الرجل بالقدرة والمُكنةِ والصمود أمام التحديات. أما إذا مرت الأيام على هدوء دون استفزاز أو حراك، فإن السمك الضعيف والجرذان البيضاء والرجال الجوف لا يمكن فرزها وتصنيفها، ولا يمكن بالتالي معرفة القادرين على المواجهة أو الذين يمكنهم أنْ يصنعوا التاريخ. وبالتالي فإن التجربة هي التي تضع الإنسان في 'مطارح' استحقاقاته.

تذكرت هذا القول، وأنا أُقلب كتب السيرة النبوية، حيث ظهر أمامي سيدي ومولاي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يكابد الليالي وقد خاضت به الدنيا مجاهل الآفاق، وأحاط به العدو من كل جانب، وغُلِّقَت أمامه الأبواب إلا باب السماء، فراح يناجي ربه واضعاً روحه على كف التضحية والفداء، وإرتفع صوته الشريف بالنداء 'إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي'.

تذكرت مقولة برنارد شو، وأنا اتابع رحلة المجاهدين المسلمين في بدر وأُحُد ومؤته، وملك الموت يتنقل بين الرقاب والأفئدة، ما يكاد يلتقط روحاً طاهرةً من هنا، وأخرى نجسة من هناك حتى تتساقط بين يديه عشرات الزفرات التي تحمل نداءات الذهاب إلى انتهاء الاجل.

ورد إلى ذهني قبل أيام قليلة مرّت ونحن نتذكر ونتذاكر يوم انتقال سيدي صاحب الجلالة الحسين بن طلال إلى الرفيق الأعلى، عندها قلنا إنه فعلا كان بَحّاراً ماهراً، إلا انه لم يصل إلى هذه المرتبة من التقدير والاعتبار، إلا بعد أن تلاطمت الأمواج حوله، فخاض غمارها وقد سال منه العرق، وأخذ منه الجهد كل مأخذ.

تذكرت عبارة برنارد شو والدنيا غير الدنيا في فلسطين والعراق ولبنان وغيرها من بلاد العرب والمسلمين، والرجال يقفون على الثغور يتنادون ؛ حي على الجهاد! لا يهمهم من يعاديهم ولا يرف لهم جَفْن وهم يدفعون الريح التي هبت عليهم من كل جانب، وقد امتلأت اجسادهم بالجراح، ومع ذلك لم يسكت أي من أحدهم بل ظلّ ينادي، 'يا رياح الجنة هُبّي'.

فعلاً إن البحار الهائجة هي التي تصنع البحّارة الماهرين، وهي التي تصقل الهمة، كما تصقل النار الذهب، إذ إن الفحمة المطفأة لم ولن تنقّي التبْر من خَبَثِهِ. والشدة والصلابة لا تكون في الفولاذ إلا بعد أن يُسقى من جهنم.

كثيرون هم الرجال الذين يقضون عمرهم في الحُفَر بكل سكون، وبكل هدوء، لكنهم أيضاً يجب أن لا ينسوا أنهم يذهبون إلى آخر عمرهم وقد نسيهم الناس والتاريخ وحتى هم نسوا من يكونون.

وإذا ما استعرضنا كل أسفار التاريخ لن نجد سطراً واحداً قد قال شيئاً عن الساكتين الصامتين الذين يجلسون القُرْفصاء وقد نَغَضَوا رؤوسهم واستوت ظهورهم مع سطح الأرض، صاغرين خامدين مقهورين راضين بأن يكونوا مع الخوالف.

وعليه ومعه وفوقه وتحته ومن حوله، فإن المصاعب والشدائد هي التي تصنع الأقوياء، وأن مقولة أن يكون الإنسان 'عشبة' تنحني للريح هي مقولة ساقطة في مهاوي الاستسلام والذل والسقوط والقهر. فمن الخير أن تكون شجرة شامخة تناطح السحاب، قوية الأغصان، تتحدى العواصف، وفي آخر عمرها تموت شهيدة إلا أنها تقضي وهي واقفة، كن كذلك خيراً من أن تكون مطواعاً ذاهباً إلى أواخر الصفوف، ترجو السلامة حتى لو كان ذلك على حساب الكرامة والعزة والكبرياء.

فإن كانت البحار الراكدة لا تصنع بَحّارة ماهرين فإن الاستسلام والخنوع لا يصنعان رجالاً نحارب بهم الدنيا. وإن كانت البحار المضطربة هي التي تسوق الرجال الصارمين من غياهب الغيب إلى مواقع الرؤية، فإن التصدّي للأزمات وتحديها هو الذي يصنع الرجال الأقوياء والخالدين.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :