facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





في رحيل محمد الجمل


د.مهند مبيضين
15-04-2014 06:39 PM

أفقه كان مفتوحاً على الاحتمالات دوماً، طبيب كان يفخر بطلابه وسيرته العلمية، لكن قلبه كان مدمى بحدثين كبيرين عاصرهما، وهما: النكسة، واغتيال الشهيد وصفي التل، حدثان جعلاه ذو روح ثورية، يتلمس في ثناياها الخلاص.

قارئ نهم، وباحث في التفاصيل، والنكسة التي توقعها وقرأها يوم صلى بالقدس مودعا في الأول من حزيران 1967 ظلت ندبة في عمره وعمر جيله الذي عاشها ولم تفارقه، وكانت تمثل الإنكسار الطويل الأمد.

أما اغتيال الشهيد وصفي، فكان وجعاً مضافاً، لأنه كان يعرف الكثير من التفاصيل التي لم تقال، والتقى بمن شاهد الجثة في المشرحة، ثم التقى صدفة بمن أطلق النار على وصفي حين كان يعمل بالإمارات العربية مستشارا وطبيباً، وروى له تفاصيل أخرى لم يعرفها غيره.

الراحل محمد الجمل كما يعرف بأبو الجلدية في الأردن، من على يديه تدرب الكثير من الاطباء وتخرجوا، ومن روحه الطيبة ونفسه الصافيه كان العطاء ينساب في جيل من الطلبة المنتشرين اليوم في أرجاء الوطن وبلاد العرب.

صحيح أنه عاش طبيباً حذقاً بمهنته واختصاصه، لكنه كان مثقفاً منقباً، يحب سبر الأعماق وقارئ نهم ويعرف ماذا يقتني من الكتب وما لا يستحق الاقتناء.

ظل دائماً يلح عليّ بضرورة توعية الناس لعدم ضرب أطفالهم، وقبل نحو عام وضع أمامي صورا عجيبة لأطفال شوهتهم أعمال العنف الأبوي، كان قلقا من تلك الحالات ومرتاباً من تحول الآباء لمجرمين بحق أطفالهم.

ظل حبوراً في حياته، يعالج في عيادته في جبل الحسين، وهي المكتظة بالكتب، حتى غيبه الموت قبل يومين، وفي الحياة بثوب الطب والفكر، كان يتدبر دوما مصير الوطن وقدرته على التجاوز وبلوغ التقدم، ولم يشأ الصمت فكان يكتب بين مرة وأخرى في الشائك من التاريخ والعالق برسم المجهول.

حياته كانت تشبه حديقة مفتوحه للرواد، فالعيادة غالباً ما تشهد الحديث المتنوع في السياسة والاقتصاد ونوادر التاريخ الوطني وسير الرجال، كان شاهدا عدلاً لكن لا أحد يطلبه للشهادة خوفا من صراحته.

كان أردنياً وفياً لمهنته، وطلبته الذين احبوه، وغالباً ما ينصح المريض بالذهاب لاحدهم، سواء كان في عمان أو غيرها، فهو يطيق نجاح طلبته ويشجعهم ويرتاح إذا ما شعر بالسمعة الحسنة عنهم، كان فريدا بذلك في مجتمع الاطباء.

ظل محمد الجمل المعاني المنبت، العروبي الروح، سامقاً حتى الممات، لم تكن تدهشه فوضى السياسة والاقتصاد، بل كان يعي تقلبات الحياة وتنافس البشر للتقدم، فأبى أن يكون مندلقاً على موائد الساسة، بل ظل معتداً بنفسه وبعلميته وبسجله في العطاء المتنوع بين الخدمات الطبية الملكية ومستشفى الجامعة الاردنية وفي تدريب الطلبة وعلاج الناس في عيادته.

كان يمكن ان يكون مستثمرا بالطب، ويشارك او يفتتح مركزا للتجميل وامراض الجلد، فيقبل بهوان النفس أمام إغراء المال، لكن نفسه كانت تأبى الهوان، إذ أنه امرؤ كريم باسط اليد سليم النفس، فلا توافق من هو مثله آفة الثروة.

من معان مسقط الرأس إلى القدس التي ودعها عشية النكسة، إلى العيادة الخاصة والغربة خارج الوطن، رسم لنفسه سيرة عطرة. ففتح الدار والعيادة، وطالما ارسلت له فقراء يعالجهم، فكان بارا بمهنته وأخلاقه التي لم تتبدل أبداً.

كان محمد الجمل يقظاً حتى الممات، لا يعرف الخوف، جريئا برأيه ومعتداً بما يقول، شجاعا في الحق وقلمه لا يعرف المواربة، فرحمه الله يوم يموت ويوم يبعث حيا.
(الدستور)




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :