facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





العقل السراطي في "فقه الموت" .. *سيف حسين الرواشدة

19-11-2014 08:40 PM

قبل ثلاثين سنة كتب جدّي الأستاذ المرحوم (حسن التل) مقالة بعنوان (ثقافة الموت) يفصّل بها ماذا يصيبنا ساعة الموت و بعده ، قرأتها أول مرة لمّا توفّاه الله قبل ثلاثة عشرة عاما، وقرأتها بعد ذلك مئات المرّات، وكنت في البداية أستغرب قرب الرّجل الى الموت وتكراره لذكره، وكنت لمّا أكون عائد معه (طفلا) الى إربد يتوقف لصلاة المغرب في مسجد قائم على أبواب المدينة، يدخل بعد الصّلاة الى تابوت موضوع بقرب المحراب لدقائق قليلة، ليذكّر نفسه بالموت وعتمة القبر، بعدما رحل عنا جدّي -رحمه الله- أوّل ما فكّرت فيه كان الحزن بعدما رسمت عشرات السيناريوهات لفقدان الأحبة، لماذا نحزن عندما يموت أحدهم؟ أنحزن على الميت أم نحزن على أنفسنا؟ واذا كنّا نحزن عليهم فلماذا؟ أليسوا عند ربهم في مقام خير من مقامنا؟! واذا كنّا نحزن على أنفسنا، أيكون حزننا على فقدننا قطعة من حياتنا ولأبطال حكايانا وعلى مستقبل خلا من مواقف ستكون ذكريات معهم بعد حين؟ والأهم من كل هذا هل الموت بكل تفاصيله حقا مشكلة حتى نسأل عنه ونحاول فهمه؟!

ولنجيب على كل هذا، دعنا في البداية نقدّم بعض التعريفات حتى تتضح الصورة قليلا، ولنبدأ بتعريف الاشكال والمشكلة، فالأولى هي: كل شيء يحتوي على تناقض، والثانية هي: الشعور بالإشكال أولا ثم طلبه و إعمال العقل فيه لنجد لتناقضاته حلا. أمّا الموت فتعريفاته كثيرة منها : هو فعل فيه القضاء على كل فعل أو أنه نهاية الحياة و الإمكانيات و بلوغها حد التفتّح بالكمال (النضوج) و ما بعد النّضوج إلا القطاف، كالثّمرة التي تسقط عن الشجرة وتنقطع عنها أسباب الحياة إذا نضجت. ويقول الغزالي: الموت هو طور آخر من الأطوار، ونوع آخر من الترقي، وضرب آخر من الولادة والانتقال من عالم الى عالم. وقيل : أن الموت هو انقطاع للتعلق (للروح عن الجسد)، وليس بعدم محض و لا فناء صرف.

ولمّا كان الموت يحمل في طياته تناقضًا (على الأقل في نظر أغلب الناس) و تناقضه هو أنّه نقيض الحياة بالمعنى ويحمل في معناه أيضا بداية لحياة أخرى، وأنه الهادم للملذات، و لا يأتي إلا اذا بلغ الميّت الكمال والنضوج و وصل إلى نهاية الإمكانيات، فهو إذن إشكال، ولمّا أدركنا نحن البشر هذا صار الإشكال مشكلة طلبنا حلّها، والموت يا سادة حادثة مطلقة كليّة وجزئيّة، فكليتها أننا جميعًا سنموت وجزئيتها أنه لا يدركها تماما إلا الميّت ( فالموت تجربة شخصية بامتياز) و الباقي لا يحيط علمه إلا بالاحتضار وأخباره اذا حضره (إدراك الموت في آثاره وليس في ذاته). و هذا ما يجعل مشكلة الموت شائكة و صعبة و غورًا يصعب سبر ظلاماته.

و لأوصاف حال الموت السابقة دعونا ننظر اليه من زاوية آخرى، فنيتشه مثلا قال: أن الموت جزء من الحياة. ماذا يعني هذا؟ إذا قلنا أن المعرفة انفعالية اهتمامية و ليست فقط انعكاسية كالمرآة، بهذا نحن نقول أننا لا نحوز المعرفة فقط بتأمل الكون أو بفيض من السماء فقط، بل نحوزها أيضا بصب اهتمامنا على مسائلها واستسقائها من التجربة و الانفعال فيها و التفاعل معها، و هذا مدخلنا إلى فهم الحياة (التي يظنها النّاس ضد الموت) و إذا نظرنا إلى الحياة سيكون المستقبل هو سيّد الموقف في نظرتنا فهو ما يحوز (اهتمام) جميع البشر ويستأثر بتفكيرهم، والمستقبل هو: انتظار القادم و هو الفراغ المستمر الذي نريد ملأه، و هو الدين الذي نريد سداده، هو النقص الذي نريد إكماله. و لما كان الموت هو مطلق الكمال (الإنساني) الذي لا نقص بعده، كان اذن سر الوجود و ضروته بالضرورة، فلا حياة و لا مستقبل من دون الموت، فالموت إذن (من هذه الزاوية) هو ليس النهاية فهو مستمر و موجود منذ البداية (كامن فيها منذ لحظة الصفر) فلولا هذا الوجود لا وجود للحياة، أمّا النهاية فتكون محكومة بفترة زمنية تحصل النهاية بحصولها و لا تكون موجودة قبلها، كما ينهي الرسام لوحته فقبل هذه اللحظة (لحظة النهاية) لا تكون اللوحة موجودة، أمّا الحياة فهي موجود نتفاعل معها ونلمسها و لابد لوجود الموت حتى يتم هذا الوجود.

و من هنا و من هذه الحقيقة بالتحديد يجب أن نطلّ على الموت ونظرة تراثنا الاسلامي له، من هنا نفهم حبّ الأجداد الموت (يحبون الموت حبكم للحياة) حبًا للحياة بكل ما تحمله الكلمة للمعنى، ليس كما فهمه البعض تركًا للحياة وكرهًا لها وطلبًا للموت بأي طريقة، بل هو إقبال على الحياة و خلافة الأرض و إعمارها، فهم قوم فهموا الحياة حقًا لأنهم فهموا الموت و لهذا بالذّات في تراثنا لا يكون الموت مشكلة و لا يعامل على أنه إشكال بل أنّهم قسموا أنواعًا للموت فهناك الموت الأحمر و هو: مخافة الهوى و النفس و الطبع و وسوسة الشيطان.

و الموت الأبيض و هو: الجوع و هو أبيض لأنه ينوّر الباطن و يبيض القلب (البطنة تميت الفتنة). و الموت الأخضر و هو: لبس المرقع من الثياب مما يصح الصلاة به و يقصد به (القناعة). و الأسود: و هو احتمال أذى الناس ونظر بعين الشفقة عليهم فهم عيال الله.

و الأصغر و هو: النّوم، و ربطه بالموت الأكبر (الموت المادي) بانفصال الرّوح عن الجسد فإذا سقطت ورقة السّدرة (السجل) التي تحمل اسم الشخص الى ملك الموت معلنة انتهاء رزقه وانقضاء أجله أمسكت روحه وإلا عادت الى الجسد بالاستيقاظ. ويقول الصّوفية بالموت المعنوي و هو: تحليق الروح أو الجسد الشفاف الذي يستطيع الاحساس بالحق ولطفه و الموت هما يكون قمة الحياة، أما الموت عندهم هو: الحاجب عن أنوار المكاشفات و التجلي فيكون هنا من نظنهم أحياء يرزقون بنظرهم أمواتًا. أجدادنا جعلوا أنواع الموت أحوالًا للحياة لا انقطاع عنها، كانوا يطلبون الموت شوقًا لله، شوقًا للكمال، و كانوا يعمّرون الأرض و يقدّمون للعالمين حضارة نباهيهم بها إلى اليوم.

و ما دمنا في أروقة التّراث فدعونا نعّرج على بعض الرّوايات الدّينية التي تتحدث عن الملائكة الأربعة التي تنتزع الرّوح من أطرافنا الأربعة و عن ملك الموت الذي تقبع الدنيا بين ركبتيه يحيط بكل ما فيها وينظر إلينا باليوم سبعين مرة، وإذا بلغت أرواحنا التّرقوة يقبضها إليه و عن سكرات الموت، و أن الميّت إذا خُلع عنه جسده استشعر الدنيا و فضاءتها بحواس و حواس لم يختبرها من قبل (فبصرك اليوم حديد)، فهو يسمع و يرى و يتحدث، و عن أوصاف ملائكة الموت المتغيرة حسب الميت مؤمنًا كان أم كافرًا، وعن حياة البرزخ وعذاب القبر أو ثوابه، ونظريّات العوالم المتداخلة وإمكانيّة الكشف التي قدّم العلم اليوم لها تفسيرات ونظريات تدور حول (اهتزازات الذرات) وربطها بالقدرة على تمييز العوالم و التفاعل معها و تداخلها، كل هذه الرّوايات تقدّم فعل الموت على أنه الرّادع و المذكّر للعباد بيوم الحساب (و إنك ميت و إنهم لميّتون) و على أنه القنطرة التي نعبر عليها الى عالم آخر.

بالنهاية إنّ عالم الموت عالم غامض لنا، حاضر غائب في حياتنا نفكر فيه كلما تذكرنا أمًا أو أبًا عزيزًا أو حبيبًا، و دراستنا له أمر لا محيد عنه، فإدراكنا للموت مرتبط بإدراكنا لذاتنا، فكلما أدركنا ذاتنا أكثر زاد اهتمامنا بالموت، و من دون فهمٍ للموت لن نفهم الحياة، فهو أصلها وعلّتها، و الأهم من كل هذا ارتباط الموت بالحرية و المسؤولية و واجب الخلافة، و تمثيله لحد الكمال الذي يمثّل حلم الإنسان الأزلي، الموت هو أعظم الأسرار التي يواجهها الإنسان، و نظرتنا إليه تعكس نظرتنا لأنفسنا و فهمنا لله و لها، فلكل هذا لابد أن نفهم فقه الموت حتى نتقن فن الحياة و نحسن منقلبنا .
والله من وراء كل مقصد.




  • 1 صلاح طاهات 20-11-2014 | 08:56 AM

    مقال جميل. الحياة مهما طالت و أشرقت وتجملت ففي النهاية يأتي الموت ليعلن اكتمالها والخاتمة...وبعدها عذاب شديد و مغفرة من الله ورضوان. هل من متعظ

  • 2 يا أرحم الراحمين 20-11-2014 | 12:53 PM

    يا رب أحسن خاتمتي
    وأنظر إلي نظرة رضى عند قبض روحي لانه من تنظر اليه نظرة رضى لا تعذبه أبدا. أمين

    يا رب لا تأخذني إليك إلأ وأنت راضي عني آآآآمين
    وإجمعني مع أمي وأحبتي في أعلى جنان الخلد والنعيم وبمعية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلمز
    آآآآآآآمين
    آآآآمين
    آآآآآمين


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :