facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





خلدون يا وجعي


جهاد المحيسن
30-11-2014 01:26 PM

مذ كنا صغاراً تجوبنا الحارة ونجوبها، ننتعل التراب وندب بفرح الطفولة الخاطف، كنتَ "أبا صهيب" الأخبر في خباياها وتسجل اسمك ورسمك في أزقتها وحواريها، تلاطف الحجر والشجر وتنأى عن الناس من الضجر.
حدثني أتراب الطفولة عنك عندما كنا نسكن المزار في الكرك، كيف كانت المدرسة تتأجج فيها الحياة وصخبها وعنفها، وكيف أنك تقاوم سادة التعذيب في المدارس عندما يسألون لماذا لا تبكي مثلنا؟ والإجابة العابثة الساخرة حاضرة أنه "دم الحراذين"، أقطعُ رأسها وأدهن يدي بدمها ولا يأتي بعدها الألم، وينتشرون ما بين مقام جعفر الطيار وزيد بن حارثة، يبحثون عن بلسم السحر الذي وصفته لينهي وجع العصي على الأيدي، ثم يقولون لم ينفع هذا معنا. كم أنت سابق لرفاقك حتى في الموت!
ذات يوم وعند قلعتنا في الطفيلة، حملتك روحك على راحتك ويممت صوب جنوب لبنان لتلتحق بالمقاومين الذين يتصدون للعدو الصهيوني، وعند قلعة "الشقيف" صوّبت سلاحك معهم على عدونا الأول والأخير، كنت أجلس أنا وأخي زيد على "حيط" دار الحاج حسين المبني من الطين ورائحة الوطن قبل أن يستبيحه شذاذ الآفاق، ونستمع إلى إذاعة المقاومة الفلسطينية علنا نسمع خبرا عنك، واليقين الطفولي أنك استشهدت.
رائحة العزة والكرامة فيك تحملها أينما وضعت قدمك، في طريقي إلى المدرسة الإعدادية الوحيدة كنت أنشد ذات يوم "عشت إيماني وحبي أمميا ومصيري فوق دربي عربيا". وكان المرحوم رياض المهايرة قد سمعني واستوقفني ليقول لي إن خلدون هو من زرع في أنفسنا حب الوطن وإن هذه الأغنيات هو من أوصلها للرفاق في الطفيلة.
عن ماذا أحدث عنك؟ وماذا عرفت منك وعنك؟ على سرير الموت داعبتك بأنه ينتظرك ديك بلدي مطبوخ بشوربة الفريكة، مجرد أن يسمح لك الطبيب بالأكل، وتم الطبخ وأطعمتك ملعقتين بيدي المرتعشتين، واعتبرتها آخر الأكل الطيب من البلد الطيب، قبل أن يغزونا الدجاج المهرمن، والقمح الأميركي.
في ساحة بيتك في الطفيلة كان أطفالي يركضون ويضحكون، وتداعبهم بحنان لم يعرفوه من أبوينا اللذين سبقاك للموت، وكنت الأسرع فينا لتلحق بركب قافلة الفجع والوجع والذاكرة المشحونة بالضحك والبكاء والبراءة، ومعنى الكرامة. في الطريق إلى بيتك وأطفالي الذين سيفتقدونك، نزلت دمعة على بابك وجرحت خدي، وشعرت بعدها أن جسدي بدأ يفقد أطرافه وأن أشرعة الموت قد رُفعت، والروح عندي سكنت بالحزن، ماذا أقول لصهيب وسهى وتماضر وشيماء، أبناء أخي الذين فجعوا في أمهم قبلك؟ وماذا سأحدث معد وطيف وإياس ومناف الذين ألفوا حبك واللعب في أحضانك؟
الآن تيقنت "يا خلدون" معنى الوجع في "يا حسين"، وستبقى أنت الغائب الذي لا يحضر وأنا الحاضر الذي لا ينسى، يا وجعي يا خلدون نم في لحدك فإن الموت يقهرنا جميعا.

"الغد"




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :