facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





حبيب الزيودي .. ناي البراري


سالم الخزاعلة
02-12-2014 02:36 PM

تمر الذكرى الثانية لرحيل رفيق العمر الشاعر حبيب الزيودي ، كل يوم هو ذكرى بالنسبة لي فقد حفر الحفار فينا روحه ونقش النقاش صورته وأرخى حضوره بظلاله على حياتنا فلم يفت يوم إلا وقد حضر ولا تمر نسمة إلا وقد أفاض ،،،
ما بي كلما حاولت الكتابة عنه يخونني القلم ، فيسقط قلبي بين جناحيه من الفقد.... ولكن ما لكم بما فيّ.....
هذا الفتى النحيل ، أطل علينا في ذات زمان... حالة من الهيام والحب يحمل في حناياه أوجاعه الغائرة... الوطن المشمس ، والربى الخضراء الفواحّة ، قلب مكلوم ومكنون بالذوبان والجريان ، يسفح من روحه كلماته المثلومة ، وسط اشتعالاته المجنونة بالحياة.. ثنائية الحب والوطن ، المرأة والناس ، الغياب والحضور ،.
وقف منذ البدايات في صف البلد وبقى ذلك الفتى الشقي الذي الهب الدنيا وغازل بناتها وحقولها وأشجارها ، فكان الشاعر الثائر المتمرد على العادي والمألوف يقترب تارة ويبتعد أخرى تنتابه أحلامه الدافقة ووعيه المبكر للحياة مع شاعريته المرهفة وحسه الوطني الصاعد فكان دائب الصخب والبوح ولذا كانت بدايته في الجامعة في الخّط الذي لا بد منه لشاعر بمستواه ،.
وذكريات الصبّا وبوح القرى وإرتعاشات الطريق وحمله الثقيل في رحلة الطفولة والمدرسة يلحُّ عليه في مرجل القلب الدفاق ليرسم بريشته الوطن والناس ويحّل عليها ظلال العالوك التي أحّب ، وروحها المزهرالشموس ، يلونها بخضرة السفوح التي تنام عليها الشجرات المباركة ، ليعطي الكلمات ربيعها الفّوار بالورد ويطرزها بزقزقة الطير المنثور على الجبال. لقد كانت العالوك تبعث فيه الحياة وترجعه إلى الإنتعاش الأبدي الذي ولد معه ولم يغادره وكانت سّر قوته في كل غيبوبة تصيبه في عمان ، تلمّه العالوك إلى مواسمها الخضراء الرافله وتحيله روحاً من أرواحها الحارسة.
كان دائم البحث عن السؤال الأبدي في جدوى الشعر والشاعر وكان على يقين بأن السؤال مهم كما الجواب ، ولكن اسئلة الشاعر ،، أكثر تعقيداً وعمقاً قد لا يفهمها إلا القلّة من اللذين أكتووا بنارها.... وحبيب كم ترك اسئلة مفتوحة لنا ما زالت توغل فينا.... فشعر أننا لم نفهمه بعد... وما زالت قصائده تفضح هذا الواقع المّر فقد كان مصراً دوماً على فضح الكثير من المألوفات والمسلمات الراكدة ، فقد كان خارجا على المبسّط والعادي ، والإجتماعي ، والبيروقراطي ، كما هاجم حتى الرافضين أنفسهم فلم يكونوا بعيدين عن ناره.
لم يقبل بما يقبل الناس ولم يرتضي قواعدهم الصارمة فلا حدود له ولا يمكن أن تحشره في زاوية أو منزل أو مقام فهو ابن الخروج على الصمت والحياد لا يحده الزمان أو المكان في رحيله وهيامه وصحبته وجنونه وعنفوانه ، وصحوه ، وترفه وعشقه ، وشوقه ، بريٌ دائم الرحيل حبيب البراري دائم البحث عن شيء ما وراء السحاب.
تظن أنك عرفتُه لكن سرعان ما تكتشف أنك لا تعرفه ، يغيب كثيراً مع ذاته يبحث عن مكنوناتها في رحلة التأمل الضائعة بين روحه وبلاده بين الناس الذين الفهم وعاش معهم ومن غادروهم بين أسلافه وأهله وبين روحه التائهة المعذبة في رحلتها الصاعدة إلى السموات والموت ليس بعيداً عن كل هذا فقد كان دائماً قريباً من قلبه وقلمه ففي كل قصيدة كتبها كان حاضراً قاسياً ، يكاد يخنقه إنه تمثل الماضي وبؤس اللحظات وآلام الذكرى وتعب المشاوير ويباس الداليه....
لقد حاول أن يطلق كل رصاصاته قبل أن يموت... ينهي معاركه المؤجلة ، حاول جاهداً أن يقيم علاقة مع السائد والموروث والراهن لكنه لا يلبث أن يقوم ماردٌ من هذا الموت المؤجل الذي يجره إليه هذا الواقع يحاصره بكل شخوصه وأحابيله وأشباحه...
ما كتبه وما لم يكتبه يكملان الصورة في حالة يجري جّر الشاعر فيها إلى الدرك المسحور في محاولة شارك الكثيرون فيها في إختصار روحه الحارة الوثابّة الثائرة لسحقها وحشرها في أفق تملؤه الرتابة والعادي والمدجّن ليسكنوه في قّن الثقافة البلهاء يقودها أميون وقادة مصطنعون وأنصاف مثقفين يبحثون عن أمجادهم الجوفاء.
لقد أوقعوه مرات ومرات في حبالهم مستغلين حبّه للناس ورغبته في أن لا يكون شهيد صفِّين في معركة ضبابية غير واضحة ولكنه دائماً كان ينهض مثل البرق الخاطف فتجود قريحته بأجمل ما يكون. ويهطل المطر الذي كان يحلم به الشيخ ويعزف القصيد على ناي البراري في ليلة كان فيها الغيم يصافح الذري في المسّرة.
إما أن يكون الأردن أو لا يكون ففيه روح جده المتنبي وكانت قصيدته النّدية التي خاطب بها عرار إعلانا لتحقيقه حالة التوازي الأدبي والنفسي وبها حقق رغبته الكامنة في الخروج من الهيمنة العاطفية والروحية لعرار ليشكل هذا الخروج مرحلة جديدة في حياته وقد شكل شعره في مراحله الأخيرة خروجاً من المكان والمحلية الى النظرة الأنسانية والفلسفية الراقية ، انها المرحلة التي قد لا أكون مغالياً اذا قلت انها الى العالمية ولكن الموت قدرات يكتب نهاية قاسية لشاعر بدأ ولم يبدأ بعد ، بطل معركة أو معارك كان فيها الشهيد الوحيد...
اما حالة التمرد التي ضمّها في جناحيه طائراً في خلوات الوحدة والوحشة بعد أن أنهكته الأيام طفلاً وفتىً وراشدا تعذبت روحه في زحمة زمانه الصعب كان يحاول إخفائها في بحثه عن الدفء بين أصدقائه وأحبابه ورفاقه وأهله كنت أخاله قد نسي هذه الأوجاع ولكن سرعان ما تبدو لي تلك الحرقة النازفة تشق قلبه الطفل مثل مساء العالوك في الشتاءات القاسية لم تكن القصيدة عنده إلا سبيلاً للخروج من هذا كله ووسيلة للتعبير عن ذاته الإنسانية القلقة في رحلة التخفي والبوح ، الكمون والصعود ، البيات والإنبثاق ، يجلس طويلاً متأملاً الأشياء والوجوه والأرواح ، يخوض معاركه الصغيرة ، والكبيرة ، ينشغل بالأشياء البسيطة والكبيرة ، تقتنصه الموسيقى والأغاني ويلبس ثوب جده وعباءة أبيه ويجلس مع عبد الودود ويبدو في كل هذا مجرد شخص عادي ، ولكن سرعان ما يوقد ناره في لحظة يضع الأشياء كلها في أتونها وعندها تولد عنده القصيدة نفياً للسكون والوداعه ونقيض للخمول والبلاده في معركة مع الكون الإجتماعي والسياسي والثقافي المتهالك فتكون القصيدة كاملة الأبهة والجلال والروعة تلامس شغاف القلب تسّرح الروح وتزرع الورد في ظلال عشبها الأخضر.
وعندما أطلق العنان للقصيدة لتسرح في برّية الكون مُنفلتة من عقال الأربعين أطاح بها بكل اللذين يعيشون على اللغة الميتة والنقد الموارب والأحلام الصغيرة ولكنه يقهرهم بوجعه المعاند يطوف حول خيام البدو يحمله القلق المبدع كانت كلماته هي الماء والبلسم والنغم والحب المعتق والجنون الممشوق في وجه الزمن العاقر. هي أي أعجازه على كلمٍ بأي معجزة ترضين يا أرم.
أقول للشعر وثق كل ما نظموا
قبلي وان شئت مزق كل ما نظموا
أقول لحاجب المذعور قد سقطت
عنك الستور وبان الشحم والورم

* * *
وها هو المعاندُ المذبوحُ على معبد الحياة ،،، يسفح أخر اشراقاته قبل أن يرحل معبراً عن ذاته الفارسة بعد أن أفناه الهوى وما عاد فيه هوى أو عاد فيه فمُ.
خاتلت بالشعر ظبياً في المدى الرحب
وبي جموح وحرّ القيد بّرح بي
وانك إمرأةً حسناء تفرح بي
لكن قلبي وراء « اللاء» يا نعمُ

* * *
والمواجع عنده جّد قديمة ليست لديه أو لدى أبيه أو جده... بل لدى كل هؤلاء وأسلافهم :
مواجعي حيث سارى البدوّ باديةً
ولجلج الوجّد لما ودعّوا الشيحا
أقودهم وانا الأعمى الى لغةٍ
لا أستعير لتبقي الدرب واضحةً
ولا أوريّ ليبقى الجرح مفتوحاً
قلبي على قلبك المجروح يا بلدي
اذا تلوتك ذاب الناس تسبيحا
ظنوك من سجع الكهان في ورقي
وانت في خاطري الوحي الذي يوحى

* * *
وها هو حمدان المسُجى في ذات راس حيث انتبذ الفتى الجنوبي لروحه الرقراقة قبراً مطلاً على أرض أجداده طرياً أغمض عينيه في رحلة العمر القصيرة على حلمٍ مثلما أغمض حبيب عينيه على أحلام :
اراك في سهل حوران اذا انعقدت
براجم القمح مع آذار في الَسَبَلِ
وحنّ في سهلها الدحنون واستندت
في السنديان أغانينا على الجبل
دار الربيع على آذار يَصهبهُ
فغاص فيه الغوى كالشارب الثميل
... حمدان حمدان ظل السرويسألني
باب الحقوق عن النوار في المقل
فقلت يا سرو قد عشنا على أملً
وقد قضينا كما ندري على أملِ

* * *
وبقي حمدان جرحاً حبيباً نازفاً وموالاً شجياً في روحه يضج في خلجاته ووجدانه ففيه من الحزن ما في حبيب وفيه من التمرد ما في حبيب....
مات بعد أن أرهقه السجن طرياً وطفلاً ، يتمياً بهياً ،، وقفت أمه في باب السجن عشراً من السنين تسأل مثلما كان يسأل حبيب ما الذنب يا ترى في قول ما قال :
ترى هل طوانا انتظار المواسم
أم أن درب الجنوب طوانا
كلانا يفتش عن قلبه
وضاع على الطرقات هوانا....
صعاليك لكننا طيبون
نذوب هوىً ونذوب حنانا
ففي كل دمعة عين ترانا
وفي كل وجه حزين ترانا

* * *
اما حبيب ففي كل سطر من سطور حياته وكتابه نبضةٌ من حياة لنا اللذين رافقناه وعايشناه ثائراً على الأشياء وعلى قوانينها الصارمة لم يعترف بتلك القواعد المعدة بعناية وإن كنت أظنه اليوم أكثر الناس إحتراماً لها فوعي الوجود هو في نفيّه ومعاندته ومخاصمته... فهو الوسيلة لاكتشاف جوهر الأشياء وصيرورتها الكامنة ، لم يلتفت الى ما يقوله المتأنون الراكدون ،،، لقد كان منشغلاً بفكفكة الأشياء والمقولات والصور والأحاسيس ليقوم بتركيبها حسب مقتضيات روحه الثائرة العارفة الحالمة... ليعيد تأثيثها كأجمل ما يكون في رؤيته للحياة وتجلياتها ،،،، لقد حاصرته الدنيا في قفص الأوجاع مد درج على هذه البصيرة فماذا تتوقعون منه في زمن اللامعقول. الا ان يضج بصرخاته المدوية ضد محكمة الحياة الظالمة ،، ليرسم على الجدران هواه وحبّه ويحفر في المألوف صرخات التحدر من قيد الركون والثرثرة ، ويطلق عصافيره ، في بّر الغابات تزقزق في بلاهة الصمت ،،، يركض يركض هارباً منا ومنكم من شر مستطير الم بالكائنات في مجتمع الكراهية والحقد. والكبت باحثاً عن مصير أكثر عدلاً وتعبيراً عن كينونته وشاعريته الخلاقة عن بيت في الضباب.
وسيرته الذاتية أشك أنكم تعرفونها كثيراً فدعوني أقول لكم أنه لا يحفل بالسيرة المدنية المسطرة في دفاتر الأحوال المدنية والإجتماعية ،،، فقد كان يحتفل بالقصيدة وبكونه شاعر الأردن المجليَّ والمُعلاّ....
ندان نحن اليوم يا أبتي على سفح الكلام
ندان فأشرب من مدامك جرعة واترك مدام
ندان لا تغضب إذا صليت وحدي يا أمامي
وأفخر فقد بلغت خيولي قبل موعدها مرامي
وخرج الشاعر من الشاعر وها هو في سيرته
الحب شمعته وسّر صلاته
والحب دمعته وحبر دواته
ويحُتّ اضلعه على إيقاعه
متفرداً كالذئب في فلواته
كلماته تصبو الى غيم ولا
يدري بان الغيم في كلماته
الجمر كل الجمر في نزواتها
والنار كل النار في نزواته
ضاقت بوحشته البيوت وكلّها
تأوي بوحشتها الى ابياته
الريح في إيقاعه والموج في
أوجاعه والغيب في شهقاته
الحبر خيّط شكه بيقينه
والشعر دربُ هلاكه ونجاتهِ...

* * *
أما روحه فهو يعبر عنها في ظبي حوران :
يا ظبي حوران المهفهف لا تلوم وانت تدري
روحي أرق من الهجاء فكف عن لومي وزجري
وأعف من سرب اليمام يحط في شباك دير
واشفّ من بدوية تسقي الغزال بحوض بئر
... ما عاد في صدري من الدنيا سوى أوجاع صدري
لم يبقا لي من كل أحبابي سوى خمري وحبري
فخلطت شكي مع يقيني واستوى طهري وكفري
... انا لا شمالي احّمل للشماليين وزري
كلا ولست من الجنوب لا حتمي واشد أزري
حطمت اصنامي وصحت بصمتها انا عبد شعري
انا عبد أوجاعي وايقاعي وقافيتي وبحري
عبد الحروف تسيل من قلبي بفاصلة وسطر
اثثت بالشعر الخرائب بين ميلادي وقبري
ولد الجنون انا وقد عمدته في ماء نهري
اما الايام السوداء البلهاء المجنونة... والبشر الشريرون القتلة والزمان المّر الأفاّك... فكلهم شاركو في مذبحة الشاعر وملحمته النازفة... تراجيديا الموت الفاجع... فلم يكونوا كل هؤلاء
ما كانت الايام عاقلة لأنشأ عاقلاً ابداً...
ولا أماً لا سكن سّرها وأشم أيامي...
وفي حقل الحصاد ولدت...
القمح كان ابي... وبطن السفح أمي
ما كان باب بانتظاري حين اعطيتني القصيدة سرها
لأشب مثل النار في فلواتها ، واروض الدنيا وانثرها بدد
ما كانت الأيام عاقلة وكان الشِعُر لمّا غاب ظلُّّ ابي ، ابي ،
وطويت قلبي لم أجد روحاً حنوناً كالقصيدة لم أجد.

* * *
وبقي حبيب يرعبه الموت وها هو يرجوه ان لا يأتي غداً أو بعد غدِ:
عشت الحياة كما يليق بمرها وبمرها
وكما يمر السهم من جسد الغزال مررت
وحدي كنت في برية الدنيا
ولكن الرماة بلا عدد
كن راضياً يا قلب
ان الرحلة اقتربت
فلا تجزع على احد
فقد عشت الحياة جميلة
فيها بيوت
والبيوت بلا نوافذ
والنوافذ لا تطلّ على أحد

"الراي"




  • 1 د.جمال ابوالرز 02-12-2014 | 07:12 PM

    أجدت يا معالي الاخ سالم وبحت بما يجول في خاطر أحبة الحبيب،وسنظل ننشد كلمات حبيب حتى نلقاه

  • 2 المهندس عبدالله الطعاني 03-12-2014 | 02:02 AM

    سلمت على الكلمات الصادقة والمعبرة ادام الله كل الشرفاء في بلدنا

  • 3 وليد الخزاعلة 03-12-2014 | 02:11 AM

    سلمت يا معالي ابو احمد من كلمات جميلة يا صديق ورفيق الدرب شاعر الاردن الكبير الفقيد حبيب الزيودي نتا اصيل ورفيق وافي يا معالي ابو احمد الله يرحمه حبيبي الزيود


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :