facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





أبو العبد .. حزن اربدي بلون النار .. !


09-12-2014 02:13 PM

يوم حزين لأربد.. يوم ملون برائحة الدخان والنيران.. يوم مات به كافة ابطال الحياة وكتابها وشعرائها.. يوم انطفأت به احلام عشق كبيرة.. وحكايات الف ليلة وليلة..!

كم انا حزينة هذا الصباح.. واللون التركوازي الرائع الذي يزين وسط البلد في مدينتي اربد تحول في لحظات قليلة إلى رماد اسود.. احترق جميع الأبطال.. وانتهت آلاف القصص التي خبأها ذلك الصندوق على مر عشرات السنين بنفس النهاية المؤلمة...!

كم هي قاسية تلك اللحظات.. ترى هل هي أيضا نهاية عالم ابو العبد..!

تبا لك أيها الحريق الغبي.. ألم تعلم انك مع الورق تلتهم تراث مدينة بأكمله.. !

ألم تعلم أن السنتك قد قضت على اقدم وآخر كشك متخصص تنام به آلاف الحكايا وآلاف الآهات وآلاف الأحلام..!

لن يكون صباح اربد بعد اليوم مشرقا.. ترى هل اخبروا ابو العبد..!

كيف سيتحمل قلبه خبر تلك المجزرة لأصدقاء العمر جميعا..!

عدوك يا أبا محمود لم يكن داعش كما هي الموضة هذه الأيام..بل السنة لهب لعينة..!

كيف ستذهب اليوم إلى صندوق أسرارك لتجد أن الصندوق اختفى..!

ماذا ستقول للمتنبي والعقاد وماركيز وتولوستوي ونزار وهوجو وآلاف أصدقائك..!

كيف ستكمل معهم القصص التي كانوا يروونها لك على مر عشرات السنين..!

كيف ستبرر لهم ان النهاية التي كنت دائماً ترسمها لهم في مخيلتك كانت إبقاءهم جميعا على قيد الحياة.. ورغم أنف الحياة..!

ماذا ستقول للقصص التي لم تكتمل.. لآلاف العشاق المختبئين بين الكلمات والسطور..!

مع من ستشرب قهوتك الصباحية وسيجارتك التي تعشعش رائحتها داخل أوراق كتبك..!

لطالما مررت وانا على مقاعد الدراسة من امام ذلك الكشك فهو قريب من بيت جدي في وسط اربد..ولطالما اختلسنا النظر الى عشرات المجلات التي كان معظمها (من الممنوعات ) للفتاة في ذلك الوقت.. كيف لا وهي تتحدث عن قصص الحب المصورة..! لان الحب كان محكوماً عليه بالسجن المؤبد داخل الكتب..
ولكن عند ابو العبد.. كان الحب مباحاً..!

كانت دواوين العشق تغرد كل صباح على أنغام فيروز التي يصدح صوتها من الراديو الصغير الذي يجلس بين الأدباء والشعراء في الكشك.. وتغفو تلك الدواوين مساء على أنغام الست ام كلثوم..!

وحده ابو العبد كان قادرا على ان يدير مسرحا كاملا دون ان ينطق بكلمة..!

وبعد كل تلك السنين..عدت والتقيت أبو العبد قبل عدة اشهر.. جلست لأكثر من ساعة داخل كشكه الصغير والغني بمئات القصص.. بصراحة اعتقدت في البداية انه اصبح مجرد رجل عجوز أكل الدهر عليه وشرب وان ما الكشك الا عبارة عن تسلية لرجل تجاوز الثمانين كما قال لي.

ولكني بعد دقائق من الحديث والاستماع الى قصصه المنوعة والتي اختلط فيها الفكر مع الثقافة مع الجنون مع الخرف احيانا.. أدركت أني اجلس قبالة شخصية فريدة متناقضة بكل ما في الكلمة من معنى..!

شخصية تثير فيك الرغبة باكتشافها ومعرفة المزيد من أسرارها..!

اخبرني ان مشواره مع الكتب ابتدأ مع مسيرة مدينة اربد كبائع متجول للصحف والمجلات عام ١٩٥٣
رغم انه لم يكن يتقن الكتابة والقراءة لضيق الحال ولعدم قدرته على دخول المدرسة.
لكن شغفه بالكتب وفك أسرارها والغوص في مكنوناتها دفعه الى تعلم القراءة والكتابة من والده بواسطة القران الكريم والتعليم المنزلي الذي قدمه له والده.. رحلة كانت الأجمل حملته الى كافة أنحاء العالم.. أدخلته بوابات التاريخ الواسعة والغنية.. عرفته على أصدقاء هم الثروة التي جمعها على مدى السنين..!
ثم بدأ بعدها بالسفر إلى القدس ودمشق، ليبحث في البسطات وفي المكتبات القديمة عن الكتب القيمة التي تحتوي المضمون الأدبي والثقافي.

وعلى الرغم من عدم التحاقه بالمدرسة إلا أنه أب لـ 23 ولداً وبنتاً جمعهم على حب العلم والكتاب.

كان يرفع نظره الي بين الفترة والأخرى ليسألني عن اسمي وماذا اعمل..! ومن ثم يغوص بكل جسده النحيل داخل الكتاب الذي تناوله من احد الرفوف المكدسة بالروايات والقصص والدواوين..!

ليس عجباً أن تقلد المدن الإنسان وتتشبه به حتى يصل الشبه بينهما حداً يصعب معه التمييز..!
ذلك هو ابو محمود..او كما يحب ان يدعى ابو العبد..!

هو مدينة بحد ذاته.. فالمدينة تولد وتنمو وتكبر وتهرم..

وقد تجدِّد شبابها وتستعيد عافيتها، وقد تموت ويذبل عودها حباً..

احيانا قد تلجأ إلى تغيير اسمها أو مكان سكنها او حتى الى الهجرة.. وأحيان كثيرة تستبدل المدينة زينتها ومعالم شخصيتها وربما تضجر من قهر الحياة فتغوص إلى باطن الأرض وتختفي إلى الأبد..!!
ولكن وحده ذلك الانسان الذي يشبه المدن الذي يبقى يحفظها بذاكرته..
فمهما شاخت أو هرمت.. يراها دائماً شابة مزهوة بجمالها.. كيف لا وهو يراها مرآة لشبابه الذي يختفي.

أبو العبد الذي رسمت تفاصيل الحياة القاسية ملامحها على خطوط وجهه، بنظارته السوداء، على فكرة يشبه نجيب محفوظ الى حد كبير ،، لا يبالي بالتطورات التي طرأت على حياة المدينة ، وغيرت من ملامحها ، لتصبح أكثر عمراناً وأكثر ازدحاماً، ولا تثيره تطورات العولمة بل يشعر بالحزن على ضياع اجيال أصبحت لا تقرأ..
ابو العبد حزين على ما آلت عليه الثقافة في وطننا.. وحزنه اليوم وصل حد الموت الذي سرق منه أصدقاء العمر ودفعه واحدة....!

القراءة بالنسبة اليه ولمن يعشقها ، هي الطبيب النفسي الذي يبعد عنه شبح التوتر والتعب اليومي، وصعوبات العيش، هي المهرب من عالم المشاكل والهموم.. خاصة الأدب الذي يحمل من يعشقه لعالم التأمل، وعالم الأحلام، والأمنيات ليبداؤا بنسج عوالم اخرى في مخيلاتهم ، ويبحثون في الأدب عن شخصيات تشبههم... هي رحلة مستمرة للبحث عن أنفسنا داخل شخصية ما..

ابو العبد هو ذاكرة لمدينة.. هو انعكاس لتاريخ ظل صامدا رغم الزلازل وموجات السقوط..!
قال لي انه قرأ جميع الكتب المكدسة لديه.. ضحكت وقتها وأحببت ان أمازحه وسألته هل يعقل انك تتذكر تفاصيل كل هذه القصص.. قال وابتسامة ساخرة قد ارتسمت على وجهه الذي تغطيه تلك النظارات السوداء الكبيرة، طبعا اعرف ما يدور في كل كتاب، ام تعتقدين انني مثلكم الأجيال التي لا تقرأ..!
فناولته احد الكتب ، لا اذكر اسمه، وبمجرد ان ذكرت اسم الكتاب انطلق يسرد لي بكل سعادة من المؤلف، الأبطال ، التفاصيل وووو في تلك اللحظات شعرت فعلا بالخجل من نفسي في انني شككت بكلامه لحظه..فهو فعلا موسوعة ثمانينية لا تزال شابة متعطشة للمزيد من الثقافة..!

ادعوا معي أن يبقى قلب ابو العبد ينبض بعد سماعه أن كشك وأصدقاء العمر قد رحلوا دون ان يودعهم او حتى يسافر معهم..!! ولنعمل معا على اعادة النبض الى قلب مدينتنا.. !




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :