facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





المكان مسرح الذاكرة


د.رحيل الغرايبة
13-02-2015 02:46 AM

«الرق الأحمر» ربما يكون المكان الأكثر حركة ونشاطاً لتلك الثلة من الرجال الذين امتلكوا ناصية زراعة الخضروات وخاصة البندورة، فمنذ الصباح الباكر تنبعث الحياة نشطة متفاعلة تسابق الزمن من أجل توصيل المياه والعمال والأدوات عبر الشاحنات الصغيرة، التي لا تعرف الملل إلى آخر النهار، ثم تبدأ الحركة باتجاه الشرق عبر الجسر الضيق المنصوب على قناة الغور الشرقية الذي يسجل حركة عبور الشاحنات والسيارات الصغيرة بجانب جماعات الأغنام التي تلحق الراعي الذي امتطى حماره المحمل «بخرج» محشو بالحشيش، وقد عرف طريقه بدقة.

لحظة العبور بعد التلة القريبة تكون على مشارف «كسار نصار» و «رقة الزقومه» تلك السهول الممتدة على مرمى البصر، وقد خصصت لزراعة القمح الذي يطلق عليه «الزغيبية السوداء» أو البيضاء أو الحرذون ذلك الاسم المشتق من نوع السنبلة الطويلة المنحنية المليئة بالحب، هذه السهول سوف تكون مرتعاً لعدد من الحصادات الكبيرة التي تجوب المكان وسط صيحات الكبار ونداءات الرعاة التي تختلط فيها ثغاء الأغنام ورغاؤها المليء بالفرح والحبور، الذي يقل مرحاً عن زرافات الدويري والقبّر تبحث عن نصيبها من الغلال الوفيرة.

بعد اجتياز تلك السهول تصعد صعوداً خفيفاً نحو تلال «الطبطبة» المطلة على «بصة أبوهبيل» وتجاور «الدبة الحمراء» من جهة الجنوب، بينما النظرة نحو الشمال تسلم على سهل فسيح لا تكاد ترى نهايته الممتدة ويسمى سهل «الصّفر»، الذي يتحول في نيسان إلى بحر متلاطم من السنابل التي تسحرك بأمواجها وأصواتها العذبة وهي تداعب قوافل الرياح القادمة من بيسان ومرج بن عامر محملة برطوبة البحر اللطيفة.

ومن ثم تدلف على منطقة «السقاية» المليئة بالخضرة وجداول المياه التي تصب في برك وأحواض معدة لاستقبالها، وسط المزارع والأشجار الباسقة التي تفرد أغصانها على سجل حافل من ذكريات الصبا، التي شاخت ولا تكاد تلملم بعض الحوادث والسواليف التي يختلط فيها المزاح مع الشقاء.

بعد ذلك تقودك قدماك نحو طريق واسع قليلاً يعبر من «خلة فندي» وخلة فندي من أشهر الأماكن الحافلة بسجل تاريخي مشهور بسبب اشغاله من قبل كتيبة الجيش التي مكثت فيها ردحا طويلاً من الزمن، وما زالت مرابض الدبابات تحفر عميقاً في ذاكرة المكان حتى هذه اللحظة، وبعد أن تلملم قليلاً من الذكريات المتشعبة في أودية الأيام، تمزجها مع نظرة وتنهيدة عميقة إلى هضبة مجاورة خضراء كانت مسرحاً للرعاة تسمى «أم المرار» التي تقع أسفل جبل كبير مرتفع شديد الوعورة يسميه الأهالي «رأس الطويل» الذي يخفي خلفه بلدة قديمة تاريخية اسمها «السبيرة»، كانت في وقت ما مأهولة بالسكان، وفيها مدرسة ومختار وعشائر وحارات وسهرات،

وفي الليل تسمع دقة المهباش وتشتم رائحة القهوة والهيل التي تنتظر حلقة سمر بشكل يومي.
من هناك تطل على «عين التينة» وبعد أن تتخطى (حجر الصوالحة) يروعك منظر القرية الهادئة الوادعة والبساتين الخضراء الجميلة التي تنتصب على أطرافها أشجار الحور والنخيل، وتحيط بها أشجار الليمون والبرتقال وكروم العنب والمشمش، والمياه الصافية، والطيور من كل صنف ومن كل لون، وقد أصبحت في هذه الأيام يباباً، لا روح فيها ولا حياة.

المرور من (باب الخصاص) ضروري حتى تصل إلى «الشيخ سالم» ومن ثم (روض الخروبة) المحاذي لهضبة مرتفعة وعره أحجارها سوداء تسمى (الخلايل) وفي قمتها يربض قبر «عكرمة بن أبي جهل» الذي يطل من علٍ على «البياضة» امتداداً إلى الأغوار إلى نهر الأردن.

وبعد أن تمر على مسرح دار أبو هندي ومصطفى الخطيب، تصل إلى «العين الفوقا» التي تتفجر من بين الصخور الرابضة في قعر الوادي الذي يكون عرضة في كل موسم شتاء إلى سيل عرم يغير معالم المكان.

ثم تصعد نحو» فارا» وقد كانت على جانبك «الصلاجية» سلسلة جبال جرداء سوداء قاحلة تبعث على الرهبة، وما أن تصعد عليها بمشقة تجد أمامك سهول منبسطة ابتداء من «اللمبة» إلى «الزوايا» التي كانت خير السهول وأكثرها اتساعاً، وكانت عادة تزرع بالبطيخ والقثاء أو القمح والشعير، والعدس والكرسنة ثم تصعد بطريقك إلى «مراح الشعيرات» و «مدحل معيوفة» صعوداً إلى «بيدر أم جاموس»، الذي يقابله هضبة عالية خضراء مليئة بأشجار «الملّول» تسمى «الربع»، وفيه «عراق مسعود» المشهور، «ومسقاع الحريق» الممتد إلى الحروث، وفي طريقك لا بد من الراحة تحت «الشجرة الفقيرة» قبل أن تصعد «القهاقير»

من لا يملك ذاكرة المكان، لا يعرف الوطن، ولا يشعر إليه بالحنين، وتتساوى لديه الجغرافيا، وتخلو ذاكرته من الحوادث والسير المتنوعة والمتعددة ويصبح عبئاً على الوطن يضيق ذرعاً بأهله، فمن لا يعرف (جفيدون) و(الرصفة) و (عبريثا) و (الميسر) و ( وراس أبو أحمدة) ومثيلاتها من الأمكنة في كل قرية وفي كل بلدة، وله في كل مكان حكاية وعلى كل حجر جلسة، وما زالت صوت «شبابة الراعي» تملأ أذنيه لن يكون قادراً على الانتماء، لأن الانتماء لا يصنع صناعة إنما ينشأ مع الروح وينمو ويترعرع مع كل خطوة، ومع كل نسمة هواء تدخل أنفه. الدستور




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :