facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





معاذ سيد الافذاذ ..


أسامة القرالة
14-02-2015 04:43 PM

في سويعات الفجر الصادق، وقبل أن يتنفس الصبح , وتدخلني الحياة في دورة الكد الكاذب، استللت قلمي الصائم عن البوح، وقرطاسي المكسو بالغبار من ندرة الاستعمال، منذ استشهادك قبل عشرة ايام , وتأبطت حزني وشجاعتي , وقررت أن أخط إليك بعضا مما جال في خاطري من أفكار, بعد أن شاهدنا جميعا معركة الموت والحياة والنار، التي خضتها يا معاذ.

وماذا عساني – يا صديقي - ان أكتب بعد أن ادلى الجميع بدلوهم، ولم يتركوا لي ولغيري شيئا، فالشعراء قرضوا المديح وأجادوا بالرثاء والبكائيات، والكتاب نثروا الحزن على ضفاف الصحف والطرقات، والمحللون على شاشات الفضائيات وفي أثير الإذاعات، قالوا وتقولوا، وحللوا وحرموا، والخطباء على المنابر ، ترحموا وكفروا، والجميع - للأمانة- شاركوا في هذه الكربلائية بقدر ما يعرفوا او يهرفوا.

ولأنني أعلم، انك صاحب حس مرهف , تتذوق كل جميل مما تقرأ، وتطرب إلى كل رائع مما تسمع، أحببت أن أسرق بعض الدقائق من عمري المهدور، لأكتب لك, علك تجد في ثنايا سطوري هذه , ما لم تعثر عليه في خزائن الآخرين، لذلك فهذه الكلمات ليست للرياء ، وإنما هي بالنسبة لنا نحن الاحياء , للتفكر والتدبر.

أما بعد..

فيا ايها الفتى الذي سار الى حتفه , على قدمين راسختين واثقتين, صامتا شامخا , شاخصة عيونه ترنو الى السماء , لقد اذهلتنا حد الدهشة , وانسيتنا ألم اللحظة وصعوبة الفراق السرمدي, واثرت فينا ما كان كامنا , من عذوبة الفداء والتضحية المفقودة منذ زمن طويل , تقلصت فيه - بشكل صادم - اعداد الرجال الرجال.
ما الذي كان يدور في خلدك , وانت تغذ الخطى مقداما , نحو قفص الموت الذي صنع على عجل , هل كنت مستعجلا لقاء ربك , ام اردت ان تختصر زمن الالم على محبيك , هل مرت الدقائق ثقيلة عليك، لان الثواني علينا كانت مرة كالعلقم .

اجزم - يا ابن العم - انك لم تشعر بلسع النار، والا لما كنت قابلتها وجها لوجه، اسألك بالله هل كانت عليك بردا وسلاماً , صف لي يا صديقي , كيف كان نزع الروح , هل كانت كسل شعرة من عجين, ماذا تذكرت وبماذا نطقت غير ' الشهادة وقراءة القران ' وهل تمنيت أن تعيش من جديد لتقتل ثانية , وتذوق طعم الشهادة مرتين.

أعلم انني اقسو عليك باسئلتي الحيرى, ولكن اعذرني فنحن حائرون، ولاجاباتك متعطشون, رغم يقيني بان روحك قد حلقت فوق رؤوس غربان الشر , ضاحكة وهي تخاطبهم , لقد تأخرتم ايها البلهاء في قتلي، فلو تعلمون ما اشعر به الان من لذة الشهادة لما احرقتموني ابدا.

معاذ.. ارجوك زرني في منامي , واخبرني عن رحلتك من القفص الى الجنة , فانت طيار تحول الى طائر , واعدك بان انقل مضامين الرؤيا الى والديك وزملائك , والى شقيقي أوس ابن الثمانية اعوام المتابع لاخبارك, والى كل مؤمن يرغب بالشهادة , أوليست هي غاية المنى.

ساخبرك عندما تأتي , بكل ما جرى بعد رحيلك, ولكن اطمئنك الان ان والدك ما زال على عهده ,صابرا لم يهتز رغم قوة الطعنة ، صامتا لا ينطق الا بلغة الحكيم وحماس المجاهد , ووالدتك ما زالت صائمة منذ ذلك اليوم , لا تفطر الا على الدعاء والحوقلة , وما زالت ' بريشية ' قوية كما عهدتها, وزوجتك غارقة في تفاصيل حياتها الابدية معك في الجنة , اكثر من انشغالها بمستقبل الحياة الانية التي لم تذق طعمها الا معك , واشقاؤك واعمامك تبدو على ملامحهم كل دلالات الصبر والسؤدد لكنهم يرددون في سرهم ونجواهم ' يا عزة النفس لو تدرين ما الوجع'.

عزاؤك كان اضخم عزاء , فخلال سبعة ايام , زاره نصف مليون انسان من جميع الجغرافيا الاردنية , ومن الدول العربية , وقريتك غدت مزارا ومركز خبر لوسائل الاعلام التي رابطت فيها , وابناء عشيرتك يشعرون بالزهو والفخار , ومدينتك اصبحت غرة المدائن , ووطنك في عين الاهتمام العالمي تعاطفا حينا وحسدا احيانا, وطفلك الذي لم يولد ' كرم ' اصبح اسما لاول غيث تجود به السماء بعد رحيلك.

هل تعلم يا شهيد ان كثيرا من زملائك يغبطونك ويتمنون ان يجدوا بعضا مما وجدت, وان معظم الاباء والامهات في وطنك وخارجه , يدعون لابنائم ان ينالوا ' ميتة عزيزة ' مثل فدائك, واعلم ان احبابك واصحابك من نسور الجو يتسابقون الى لقائك , وطائراتهم تصول وتجول في سماء الرقة اخذا بثارك الذي لا يعادله ثأر , لقد اعدتنا الى ايام البطولة فمنذ متى لم نسمع ببيان عسكري الا ببركاتك.

لحظة يا معاذ .. والدتي تناديني ربما ظننت انني ابكي.. دعني ابلغها , انني اعيش الان في حواري معك , في حضرة الفروسية بكل تجلياتها , اسمع صليل السيوف وصهيل الخيل , واشم رائحة البارود , وألحظ اخلاق الشجعان , وانتشي لزغاريد حور العين لك في الجنة , يا من انجبت وفاته لاهله ووطنه كل الخير.

ومن بعيد يأتيني صوتا ملائكيا , كأنه صوت الشهيد , يسألني وهو عالم بالاجابة, وهل يلد الموت خيرا ؟, فأرد عليه بالدموع والنجيع, نعم والله كل الخير , لاهلك ووطنك ودينك , ألم تكشف الطريقة البشعة لاغتيالك , من نحن , ومن هم قاتلوك, الم تكن الضحية التي سنحاجج بها , كل اعداء الاسلام هنا وفي بلاد الاعاجم , لقد طهر دمك الزكي , الاسلام السمح والدين العظيم من كل تهم الارهاب , الم تكن مصليا الفجر كل يوم , وحاملا مصحفك على كتفك حين وقعت بايديهم , ومع ذلك صلبوك على مذبح شهواتهم المريضة وافكارهم السوداء , يا لجهالتهم وسوء خاتمتهم.
يا شهيد الحق , يا نقيب يا نجيب يا رهيب .. اعتقد انك خلال ايام اسرك اذللتهم , بصلاتك ودعائك وصلابتك وجبروتك , لذلك فقد اطلقوا على فيلم حرقك اسم ' شفاء الصدور ' ونحن نسمي حملة ثأرك ' شفاء الغليل' , انهم جهلة حاقدون فعلا , دواعش اصحاب خطايا وفواحش, لا يساون شسع نعلك , او شعرة في جسدك الطاهر.
الليلة سادعو اصدقائي الى ' تعليلة ' لم تجمعنا منذ فراقك , سنقرأ على روحك الطاهرة , فاتحة الكتاب , واي من الذكر الحكيم , وسأروي لهم قصة الحيي البهي الزهي الطاهر العفيف الشريف النظيف الشهيد .. معاذ سيد الافذاذ.


الاسم والرسم والإنسان!!

أرى يا اصدقائي.. أن معاذ قد اخذ من سميه معاذ ابن جبل بعض صفات الجبل وجبروته، ألم تسمعوا ما قاله عنه الشيخ العريفي ' لقد مات واقفاً جبلاً ' نعم صحيح، فوالله لقد لمست في وقفته داخل القفص بعضاً من جبروت الجبال , ولكم أن تتخيلوا صعوبة ممارسة الجبروت , في حضرة الموت هادم اللذات.

لقد حاولت أن أدقق في حفلة 'الشواء والموت' داخل القفص , وخرجت بمشهدين الأول، لقد رأيت طيف الشهيد بفم وعيون يخرج من القفص , وقلت لربما أن جسده البلوري المختفي تحت درع لحمنا وعظمنا الظاهر، قد غادر الجثة إلى حيث يجب أن يذهب لأن أجساد الشهداء الحقيقية لا تبلى.

وفي مشهد آخر رأيت الجسد المحروق يرقص مع النار ويحضنها، ولا يهرب منها بل يقبل عليها، قبل أن تبدأ مراسم النهاية ويهبط ساجداً , وكأنما أراد أن يصلي مختتماً بركعته تلك حياة فانية لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

لقد كان ذلك الشاب قبل حرقه هو المعرفة الوحيدة وسط غابة من النكرات والألغاز، فنحن لا نعرف الزمان ولا المكان،الذي اعدم فيه , ولم نرَ إلا أقنعة صحراوية , تخفي وجوها كالحة , وأسلحة صماء بايدي قتلة مجهولين، لذلك فقد كان معاذ هو الحي الوحيد في غابة الموت والأشباح والدمار تلك... لقد سار بينهم وهو يعلم أن فرجه لن يأتي إلا من السماء , ولذلك كانت عيناه شاخصتين إليها، يا للشجاعة ومن منا يستطيع أن يسير إلى الموت كما سار هو، وهل في ذلك رسالة لنا , ام ان ' ومن يتق الله يجعل له مخرجاً'.

الأسرة ...

بعد أن انفضى سامر المعزين، وطويت بيوت العزاء وسراديقها، ورفعت دلال القهوة وطفئت نيرانها، عادت الأسرة الأب والأم والزوجة إلى الواقع بعد أن عاشوا أسبوعاً سينمائياً بامتياز.

لا شك لدي بأن الأستاذ صافي والد الشهيد ، هو صافي النية حسن السيرة والسريرة، وإلا لما نال كل هذا التكريم، فكثيرون فقدوا أبناءهم ولم يجدوا من يواسيهم حتى، والوالدة إسعاف اجزم أنها تحتاج إلى أكثر من 'إسعاف' لذاكرتها المملوءة بكل تفاصيل الطفولة والصبا التي عاشها الشهيد ،وعندما سمعتها تتحدث عبر التلفزيون الاردني , أعطتني كل ملامح الأم 'الأردنية' ماضياً وحاضراً ومستقبلاً في بضع كلمات.




العشيرة ...والمحافظة..

شهادة معاذ، أعادت كتابة التاريخ, واخرجت افضل ما عندنا من نخوة وتعاطف وتكافل ,وحيدت بعضا من أمراض القلوب، فأبناء ' ارض العلم والشجاعة والعصامية ' أصبحوا اليوم ' أسود العرين' ، و' الحزمان ' النائية البعيدة ، أصبحت قريبة جداً على أهل عمان، فالسيارات الفارهة تمخر شوارعها والطائرات تهدر في سمائها، والجميع يقر لهذا الجزء من الحمى بالاكبار لأن ابناءه عمدوا بالصبر والدم سيرهم الذاتية وشهادات وطنيتهم, فقبل معاذ قدمت عشيرة البرارشه ثلة من الشهداء , الذين رووا بدمائهم الزكية ارض العروبة في فلسطين وبيروت والكرامة, من امثال ضامن القراله , ومسلم قاسم المطارنه , وعبدالسلام القراله, والقائمة تطول.
أما الكرك ' خشم العقاب ' كما يحلو لأبنائها أن يسمونها، فكان لها – كتاريخها- من الشرف نصيب، وأزداد فخر أهلها بانتسابهم إليها , وقد يكون ' عش النسور ' اسما جديدا من اسمائها , وستبقى شامخة دوما , ولم ولن تدخلها يوما إلا وأنت مرفوع الرأس.

الوطن ...والتاريخ...

إن الأردن – الذي هو بحجم بعض الورد- أصبح اليوم بفضل من الله وتضحية شهيد واحد , محط أنظار العالم وتعاطفه وإعجابه، ولذلك فان علينا جميعا مواطنين ومسؤولين أن نضبط حركتنا انجازا او فشلا – لا سمح الله - على توقيت 'شهادة معاذ' التي ستبقى في الذاكرة الجمعية للوطن كسنة 'إلهية ' التي شهدت ثورة الكرك ضد الأتراك، أو كمعارك الشرف التي خاضها الاردنيون في فلسطين والجولان.


سؤال...ودعاء

مات كثيرون، ولم يسمع بهم أحد، وأحرق غير معاذ ولم يترحم عليه إلا القلة، فلماذا اهتز العالم على شهيدنا، ونعاه المتناقضون، الدعاة والفنانون وبكاه أهله والمغتربون، وتعاطف معه مسلمون ومسيحيون؟؟ لا شك أنه يستحق ولكن ، هل لأنه تواضع لله فرفع ذكره، ام لانه اتقاه سبحانه وتعالى فاعطاه حتى يرضى ... 'رب اجعل بلدنا امنا مستقرا , حرا عزيزا , بقيادتة جلالة الملك عبدالله الثاني, وانعم على شعبنا الصابر الوفي بالخير والبركة والاطمئنان.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :