facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





التنوير ..


جريس سماوي
03-03-2015 03:58 PM

خاض العرب عبر تاريخهم الطويل معارك عدة، من اجل التنوير، منها ما حدث زمن المعتزلة، في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي، والذين تحيزوا للعقل وقدموه على النقل، وخاضوا جدلا مثيرا وعاصفا، فيما عرف بعلم الكلام، مع غيرهم من أصحاب الاجتهادات، خصوصا المدرسة الأشعرية، التي تقوم على تعزيز النقل وحمل النصوص على ظاهرها والحد من التأويل. ومنها ما حدث في عصر النهضة في العصر الحديث حين أسس محمد علي الكبير دولته في مصر، دولة مدنية حديثة على غرار الدول الأوروبية الحديثة، وبدأت تلك الحركة الأدبية والثقافية والعلمية، ليس في مصر وحدها، بل في بلاد الشام وبقاع أخرى من العالم العربي.

شعر العرب لأول مرة منذ السيطرة العثمانية على بلادهم بهُويتهم وتذوقوا طعم لغتهم، وهي تقدم أدبا حديثا وتناقش قضايا سياسية ودينية وعَقَدية، فوضع رفاعة الطهطاوي كتابه المهم 'تخليص الأبريز في تلخيص باريز' الذي سجل فيه ترجمته لبعض فقرات من الدستور الفرنسي الحديث، ونقل حياة الفرنسيين وأحوالهم، وأسس الطهطاوي فيما بعد دار الألسن التي اعتبرت جامعة شاملة اعتمدت على ترجمة الآداب والعلوم من لغات العالم، وظهر محمد عبده الأزهري المتنور وعبد الرحمن الكواكبي صاحب كتاب 'طبائع الاستبداد' وجمال الدين الأفغاني، والأربعة كلهم شيوخ دين، في حين ظهر غيرهم من العلمانيين؛ أمثال شبلي شميل 'اللبناني' الذي كتب بالعربية عن نظرية التطور لداروين، وفرح أنطون 'اللبناني أيضا'، وفي المسرح أبو خليل القباني 'السوري'، وفي الصحافة ظهرت الأهرام ومرآة الشرق والجريدة المصرية والوقائع، كما ظهرت الجمعيات السياسية والاجتماعية المتعددة التي نادت فيما نادت إليه إلى تحرير العقل والتحرر السياسي والاجتماعي. وانطلقت الثورة العربية الكبرى على يدي الشريف الحسين بن علي، شريف مكة، طامحة في توحيد العرب وتأسيس دولة لهم بعد التخلص من الاستعمار الاقطاعي العثماني.

وخاضت المرأة غمار العمل ونزلت الى الميدان وخلعت النقاب وادلت بدلوها في العمل العام أسوة بأخيها الرجل.

انكسر عصر النهضة وعصفت الحربان العالميتان الأولى والثانية بالعالم، وأثرتا سلبا في هذا النهوض الذي رغب العرب فيه وعملوا من أجله، لكن الروح التي تاقت الى الحرية والنهوض لم تستسلم، فعادت الى الظهور مع بزوغ عصر الأحزاب القومية واليسارية والوطنية وتيارات الدعوة الى التحرر والوحدة العربية، فكان أن ظهر التيار الناصري والبعثي والماركسي، وأسس العرب دولهم القُطرية التي اجتهدت في ان تدخل مرحلة الحداثة والعصرنة، فأسس الحبيب بورقيبة دولة علمانية حديثة في تونس، وكانت عواصم العرب تعج بالفكر والأدب وازدهرت صناعة الكتاب والسينما والمسرح الى أن جاءت حرب عام 1967 وما تبعها من أحداث كسرت الحلم وأدت الى ظهور قوى أخرى وقفت ضد التنوير.

لقد رافق كل هذه الحركات منذ المعتزلة مرورا بعصر النهضة وحتى عصرنا الحالي عوامل مشتركة نشأت معها ونمت في داخلها، ثم ما لبثت أن أدت الى فشلها وانكسارها منها:

اولا- الغاء الآخر. اذ على الرغم من أن سمة هذه المحاولات التنويرية كان دائما الحوار، الا أنه كان حوارا يفضي الى محاولات مستميتة لالغاء الآخر، وليس التواصل والتكامل معه والاعتراف به. فقد حاول المعتزلة زمن الخليفة العباسي المأمون التنكيل بمن عارضهم من أصحاب الرأي الآخر، وكذلك تم في العصور اللاحقة، خصوصا عصر الأنظمة الحديثة القائمة على العسكرتاريا والثورات أو الانقلابات العسكرية.

ثانيا- غياب الديمقراطية والانتخاب الحر وتداول السلطة. ففي أوج ازدهار دولة محمد علي الكبير في مصر لم تقم الدولة الناشئة حديثا المتمثلة لحالة الدول الأوروبية المستلهمة منها أسس الحكم، لم تقم على وجود برلمان منتخب وأحزاب تقوم بتقديم برامج سياسية واجتماعية، بل قامت على نظرية المستبد العادل أو المستنير، ألا وهو محمد علي نفسه، اذ بغيابه تحولت الدولة الى دولة استبدادية تراوحت حسب الحاكم بين الانفتاح على العلم والثقافة والحرية والنكوص عنها، إذ لم يتوان حفيده عباس الأول عن أن يتنكر لسياسة جده التنويرية، فقام بإغلاق دار الألسن التي كانت منارة علم ونقطة التقاء حضاري بين الغرب والشرق، وعطّل عجلة النهضة التي أسس لها جده محمد علي.

أمّا الديمقراطية في عصر الأحزاب القومية واليسارية، خصوصا عندما استلمت هذه الأحزاب الحكم في عدد من الدول العربية، أقول إن الديمقراطية وتداول السلطة والحرية كانت قد دفنت مع كل جماعة عسكرية صاعدة للسلطة أو طامحة اليها، بل أصبح من المعيب لدى هؤلاء التمثل بالديمقراطية الغربية على اعتبار انها جزء من الإرث الاستعماري الغربي.

ثالثا- الحرية. ونقصد بها هنا الحرية الفردية الاجتماعية والحرية الجماعية للأحزاب والجمعيات والجماعات التي تخالف الحاكم، سواء كان فردا أو حزبا، لقد كانت الحرية يتيمة ومطرودة من جمهوريات الدول التوتاليتارية القائمة على وجهة نظر واحدة قمعية تدعي أنها تمتلك الحقيقة وتلغي الآخر.

رابعا- عدم حسم الجدل اللاهوتي القديم الذي عصف بالعالم الاسلامي وتحديدا فيما عرف بعلم الكلام حول دور الدين في الدولة والسياسة، الأمر الذي جعل هذا العامل يبرز مباشرة في كل مرة يتم فيها تراجع الفكر التنويري القائم على العقل، برغم أن هذا الفكر الذي يمجد العقل هو أيضا فكر اسلامي صميم ازدهر زمن المعتزلة، وعلى يدي ابن رشد، لاحقا، المدافع عن العقل الذي تم التخلي عن فكره في حين تبنته أوروبا، إذ انتصر العرب في غالبهم الى خصمه أبي حامد الغزالي، المدافع عن النقل، والذي قوض دعائم الفكر الرشدي القائم على أعمال العقل والتأويل والاجتهاد. وبذا أصبحت الصفة العامة المسيطرة لكليات الشريعة والفقه في العالم السني كافة هي المدرسة الأشعرية القائمة على النقل والأخذ عن السلف.

ما أحوجنا اليوم ونحن نمر في هذه المرحلة الخطيرة التي تعصف بأمتنا الى أحياء الحوار القديم والى فصل الدين وتنزيهه عن السياسة ومجابهة القوى الظلامية التي تقف ضد الحياة والانسان ومحاصرتها وكشف زيفها، لا بالقمع او الالغاء، بل بالفكر والعلم والحجة، وما أحوجنا أيضا الى التركيز على ثابت واحد لا مناص عن الإيمان به والدفاع عنه بكل ما لدينا ألا وهو الاعتراف بالآخر مهما كان هذا الآخر والاستماع له مهما كنا نعتقد ان ما يقوله ضحلا، لأن في ذلك الاعتراف وفي ذاك الاستماع نصغي الى انفسنا والى ذواتنا، ونؤمن بأننا أمة الاختلاف في اطار الوحدة والتنوع في اطار الايمان بالوطن. وما أحرانا أن نبدأ من هنا من الأردن البلد الذي تأسس على مفهوم التنوع والاعتراف بالآخر.

'العرب اليوم'




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :