facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





الـعَـــجْــز


راتب المرعي الدبوش
03-05-2015 02:05 PM

لعل من رحمة اللغة العربية بالـعَـجْـز، وشفقتها عليه أن جعلته مصدراً، تُشْتَقُّ منه أفعالٌ، وأسماءٌ، وصفاتٌ، رغم دلالته على ( القصور )، وعدم القدرة على القيام بالهيّن من الأمور.

نعم. العَـجَزُ قُصور، وحتى لا ينصرف الذهن إلى قصور غرناطة، نقول : إن العجز تقصير عن بلوغ غاية، أو عن تحقيق هدف. وهو أنواع، وأشكال.

لعل أشدّها وَطْأةً، في ما أظن، عَـجْـزُ الزوج عن إرضاء شريكته الإستراتيجية، المتمثل في عدم قدرته على الوفاء (بالالتزامات المطلوبة ). فهذا العجز يُحيلُ الـزوحَ إلى حمل وديع، يستجدي رضا ( أم العيال ) بكل حيلة،
ويخطب رضاها بكل وسيلة. يكفي أن تنظر إليه سيدة البيت نظرة ذات معنى، حتى يَـرْتَـدّ إليه الطّرْفُ وهو كسير، ويرجع إليه البصرُ وهو حسير، فيتضاءَل ويَنوس، كأنه مِصْباحٌ جفّ منه الزيت، أو مَصْرِفٌ طارت منه الدراهم والفلوس.
يليه ( عجز الموازنة )، وهو عدم قدرة الحكومة، أية حكومة في أي بلد، عن المواءمة بين شُحِّ الناتج المحلي،
وزيادة النفقات ؛ مما يدفعها إلى الوقوع تحت وطأة الدين الخارجي.

ولكن الفرق بين العجز الأول، والعجز الثاني - هو أن الحكومات كانت تتصرف دائما مع أمّ عيالها، أي مع شعبها، بعين مفتوحة على اتساعها، ولا تُشْعٍرُ الآخرين من غير الدائنين بأن 'جزدانها ' فارغ. ولكنها رغم ذلك كانت تقيم الولائم والمآدب، وتتزين بالكثير من الإكسسوارات المكلفة، تاركة أولادها يرتجفون من عري، ويتضورون من جوع، حتى إذا جاءها الدائنون استدانت منهم ما تقيم به واجب الضيافة لهم، ناسية حكمة أهل البادية التي تقول : ( أول متلوف ذبحك للمطالب خروف ).

ولأن 'الممالحة ' هذه تجعل الضيف المُطَالِب – واحدا من أهل البيت المضيف، فإن الضيف يبدأ بالتدخل في كل صغيرة وكبيرة في بيت ( المعازيب )؛ بحجة أن ذلك يجعل أصحاب البيت قادرين على توفير المال ليسدّوا به ما قد (أخلّوا وضيّعوا ).

ولأن الدّيْنَ هَمّ في الليل وذُلّ في النهار،فإن بمقدور الدائن أن ( يبصّم) ) المدين على بياض، و ( ليوم الله، يفرجها الله ).

ومن (العجز ) اشتقت كلمة (العَـجـوز )، تطلق على الذكر والأنثى إذا تقدّمت بهما السن، فأصبحا مُقَصّرَيْنِ عن القيام بأي شيء سوى طلب حسن الختام، والتحسّر على ( أيام اللولو ) في سالف العقود والأعوام.

وللعجوز عند العرب أيام، يقال لها ( أيام العجوز)، وهي الأيام الأربعة الأخيرة من شباط، والثلاثة الأولى من آذار. وفيها يشتدّ البرد، ويهطل المطر بغزارة. وهي الأيام التي يسميها الفلاحون وأهل البادية في الأردن ' قْـران العجايز '، أو ( المستقرضات ). وهذا يعني أن الاقتراض ليس مقصورا على الأفراد والدول والحكومات، بل هو موجود حتى بين الأسابيع والشهور.

وعلى ذكر الفلاحين، ما زلت أذكر ( إبْرَةَ العجوز )، وهي نبتة صغيرة، يخرج من أعلاها ما يشبه الإبرة، غير أنها هشّة، وتميل إلى السماكة، يقطفها الصغار، ويمتصون من ' عَجُزِها ' مادة فيها شيء من حلاوة. وكأنهم بذلك يتدربون على ما سيطلب منهم؛ لتسيير أمور حياتهم في القادم من الأيام.

ومن الدائرة ذاتها كان ( العَـجُـز )، بفتح العين وضم الجيم، وهو الشطر الثاني من بيت الشعر العربي، سمي بذلك لأنه تأخّر، أما الشطر الذي تقدم فهو الصدر. و (العجز)، أيضا، مؤخر الشيء. وهذا يُذَكّرُ في العربية ويؤنث، وجمعه ( أعْجَاز ).

وأعجاز الأمور أواخرها. أما أعجاز النخل فأصولها. ومن أقوال العرب : (ركب فلان في الطّلَبِ أعجازَ الإبل ) ؛ كناية عن تحمله الذل والمشقة في سبيل الوصول إلى المال. أما إذا كان سعيه في طلب العلم، عبروا عن ذلك بقولهم: (ضرب في طلب العلم آباط ) الإبل.. وكم بين الصدر، والعجز،والإبط من مسافات في المعاني والإيحاءات والظلال.

أما ( الـعَـجِـيـزَةُ )، فهي عَجُـزُ المرأة خاصة. وهذه خضعت لمقاييس الجمال عند العرب، فهي تـُعَـظّمُ وتـقـزم، بحسب الظروف والأحوال، ومعايير الجمال السائدة في كل عصر.

فعندما كان الذوق العام يفضل المرأة العَبْلَةَ البَهْكَنَةَ السمينة كانت المرأة النّحيلة تتّخذ 'العِظَامَة'.
والعظامة بكسر العين وتخفيف الظاء، وكذلك بضم العين وتشديد الظاء - هي ما تتخذه المرأة من أربطة ومشدّات ؛ لتعظّم به عجيزتَها. وهذه الوسيلة معروفة منذ العصر الجاهلي. وقد استمرت، و ما تزال.

***

تَحَايَل الأزواج على العجز عن إرضاء الشريكة بدواء على شكل حبوب، سمعت أنها زرقاء اللون، وبـ (شرش الزلّوع)، والفستق والبندق، والزنجبيل والكاشو، والمكسّرات،مع العسل وبعض التوابل والبهارات.

أما عجز الموازنة، فتتحايل عليه الحكومات بتعليمات النطاسي البارع ص. ن. د. الذي يصف مراهم الجدولة، وكريمات التدوير التي تسمح بعبور الأزمة، واجتياز عنق الزجاجة.

أما العلاج الداخلي فبعقاقير الضرائب بأشكالها وفيتامينات الرسوم بأنواعها، وباستيراد أحزمة خاصة تباع للمواطنين بأسعار تشجيعية؛ من أجل الشدّ على ما تبقّى من بطون، بالإضافة إلى تعاويذ وتمائم خاصة، تجدّدها الحكومات كل حين، مكتوب فيها كلمات غير مفهومة، تدعو إلى ضبط النفقات. أما كيف ؟، فلم يرد في متون الأولين، ولا في شروح الآخرين ما يشير إلى كيفية ذلك.


يبقى لدينا عجز الشيخوخة، وقد قسم العلماء هذا العجز إلى نوعين: عجز شيخوخة يصيب العاملين في الدوائر والمؤسسات العامة، وهذا تتكفل مؤسسة الضمان الاجتماعي بالتعامل مع المصابين به، وفق القوانين والأنظمة والتعليمات.
أما النوع الشخصي فيترك أمر علاجه للمصابين به أنفسهم. وهذا العلاج يتوقف على جنس المصاب، و نوع الطبقة الاجتماعية والاقتصادية التي ينتمي إليها. فنساء الطبقات المترفة يعالجنه بعمليات التجميل والترميم، والشدّ والمطّ، والنفخ والشفط.

أما بعولتهن فيعالجونه بالخضاب والصبغات، أو بنشر الشائعات بأنهم على وشك زواج جديد، أو بمطالعة كتاب 'عودة الشيخ إلى صباه ' ؛ لعلهم يعثرون فيه على وصفة سحرية، تبين لهم كيف يمكن لهم أن يستعيدوا قوّة الباه ؛ ليظلوا على قيد الحياة.

أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يعيذنا من العجز والهموم والأحزان، ومن غلبة الدين وقهر الرجال والنسوان.




  • 1 ابو حمزة 03-05-2015 | 03:59 PM

    نرجو منك ان تتحفنا دائما بمقالاتك الجميلة والبليغة, ولك مني اجمل تحية.


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :