facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





دبي .. كشمسٍ أو حصان


باسل الرفايعة
28-05-2015 04:52 PM

أحبُّ هذه المدينة. أحبُّ دبي. عشرُ سنواتٍ منذُ لفحني قيظها في نيسان (أبريل) 2005. قال لي السائق الهنديّ، وهو يقلّني من المطار الى الفندق، أن 'أبريل ليس أقسى الشهور'. وأنّ عليّ أنْ أتهيأَ لقادم الصيف. لَمْ أعلّق بأكثر من 'اوكيه'. ولم أبتسم بالطبع، فأنا أردنيٌّ على أيةِ حال، وعليّ أنْ أحافظَ على تقاليد بلادي.
إذاً، هذه هي 'الحِمْريّة' في دبي القديمة، قريباً من الخور وسفن البوم والنوارس، حيث الفندق، وهو يُقابل قلعةَ الفهيدي التراثية التي تضمّ متحف دبي. غرفتي تواجهُ حارساً يحملُ بندقية، على سطح القلعة. لطالما أثار دهشتي وأطال تحديقي، لأكتشفِ مع نهاية اقامتي في الفندق انه مجردُ تمثال.

حسناً، قلتُ أخرجُ مساءً، وأجولُ في المكان. حرصتُ على اصطحاب جواز سفري. ربما يستوقفني شرطيٌّ، ليسألَ عن هويتي، كما اعتدتُ في عمان. الى الآن، لم يسألني أحدٌ عن هويتي في دبي. لم يوقفني شرطيّ مرور، ولو لمرة واحدة. هذه مدينةٌ تدعك، وشأنك. وعلى كل سرعتها وصخبها، فهي تأخذك الى الهدوء، بعد أن تألفَ التنوّعَ، وترى هويّتك في هويّات أخرى، أو في مرايا أخرى.

أحبُّ دبي. كان عليّ أن أتكيّف، بعيداً عن عمان بجبالها، وغضبها، بحثتُ عن ما يشبه مقهى مثل 'الشرق' أو 'الاوبرج'، وعن محْمص بسمان، ومطعم هاشم، لكنّ الغابات بعيدة، كما يقول نمْرُ زكريا تامر. أخذتني الدهشة إلى الأسئلة. سائق التاكسي يعتبرُ تشغيل العداد أمراً بديهياً، غَيْرَ خاضع لأي نقاش، في كل الأوقات، إن لم يفعلْ، فالرحلة مجانية، لا مشاجرات في الشوارع، لا 'قناوي' في السيارات، المعاملات الحكومية سهلة وبلا واسطة، لا كفلاء للقروض. الناسُ ودودة، على نحوٍ مُربك.

كان عليّ أنْ أتكيّف مع الشمس والرطوبة والغبار وضياع الفصول. افتقدت خريفَ تشرين الأول. لطالما سألتُ عن المطر، وملابس الشتاء، ومن أين أشتري مدفأة 'فوجيكا'. وهل سأنامُ طويلاً تحت المكيّف. دائماً كنتُ أبحثُ عن شوارع جانبية، لتفادي الازدحام. لا يمكنك في دبي أن تتفاداه، فعليك لتعبر من برّ المدينة الى ديرتها أن تقطع جسر القرهود، او جسر المكتوم، او تتسلسل تحت المياه من نفق الشندغة. لا فرصة ممكنة للاحتيال على خور دبي. فهو روحها وذاكرتها وقلبها الأبيض.

الطعامُ لذيذٌ ومتنوع. كل المطابخ هنا، من توابل الهند وحرائقها، الى نكهات حلب، وزعفران فارس، وزيتون المتوسط وزيته، وطواجن المغرب. ثم ما شئت من أطايب الصين وأوروبا وأميركا. العالم هنا في مدينة. سئلَ أدونيس عن أجمل مدينتين مرّ بهما، فأجاب: نيويورك ودبي، حيثُ يُمْكِنُ أن ترى بشراً من مئة سحنة يسيرون في شارع واحد.

أحبُّ دبي، فقد تركتني وشأني. كنتُ في عمَّان لا أتركُ شأناً، ولست متروكاً في أيّ شأن. كانت لديّ حروبي، فتركتها وتركتني الى 'سلام الشجعان' الذين يستمتعون مع أطفالهم، ويتعلمون السباحة. هنا في دبي تعلَّمت السباحة، بعدما تدرّبت على تقنيات الاسترخاء. مدربي 'لاكسمان' السيرلانكي، قال لي: عليك أن تسترخي لتسبح. المياه لا تُصادقُ الغاضبين والمتشنجين .

في دبي، بات لديّ بيتٌ صغيرٌ فيه نخلةٌ ، وصرتُ أعرف انواع التمر. 'الخلاص' شديدُ الحلاوة، و 'بومعان' لاذعٌ وشهيّ، مثل كرز. الفرق في السّكّر فقط. هنا كبر ناصر وفارس، وتنقلت جمانة بين 'مايكروسوفت' و 'جنرال إليكتريك' و 'فيسبوك'. وبين برّها وديرتها عبرتُ إلى الأربعين، وفيها عرفتُ كيف يمكن ان تكون المدنُ ذكيةً وشابة، وتعدو مثل حصانٍ الى المستقبل.

أحبُّ دبي. لا أجملَ من مدينة، تدع باسل رفايعة والذين معه في شأنهم.. غير أنني رجلٌ لا يشفى، وما يزالُ لي كلّ شأنٍ هناك: أريدُ ليل بئرخداد، وفخاخ البساتين في معان، ولن أنتهي من شارع أيدون في اربد، ولا من مخبز صلاح الدين، إلى اليمين، نزولاً من العبدلي، إلى شارع السلط، هناك في عمَّان، عند حاجبِ الجَبلْ..

baselraf@gmail.com
twitter@basilrafayeh




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :