facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





دولة الضفتين أثمرت هوية مركبة


د. محمد المصري
17-05-2008 03:00 AM

أتاحت التطورات التاريخية منذ النكبة للفلسطينين تطوير هوية ذات فرادة في المنطقة العربية والشرق الأوسط، إذ يقدمون هوية مركبة على أكثر من مستوى ليست النكبة مرادفاً لغوياً لهزيمة عسكرية وسياسية ،منيت بها جيوش عربية ومقاتلين فلسطينين وأسست لحالة استمرت منذ عام 1948، بل هي تعبير عن حالة مركبة تتضمن: التطهير العرقي الذي مارسته المنظمات اليهودية ، تدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمجتمع فلسطيني ناهض عبر الاقتلاع المنظم لمواطنيه، تحويل شعب إلى مجموعات لاجئين محرومين من حق العودة، وتحويل ما تبقى منهم في إطار دولة إسرائيل إلى مواطني درجة ثانية محرومين من حق تقرير المصير، وإنشاء دولة إسرائيل القائمة على هوية دينية يهودية.

أدت النكبة إلى اقحام الشعب الفلسطيني في سيرورة تاريخية قائمة على جدلية مركبة، مرجعيتها النكبة والاستمرار في وضع الجهود لطرح برامج –على تباينها- تهدف إلى تغيير بعض أو كل ما فرضته النكبة عليه، وبالذات ما يتعلق بحق العودة وتقرير المصير، وجدلية تشتيت الشعب وتطور كل شريحة من شرائحه بشكل مستقل ضمن الظروف التي يقيمون في ظلها.

أدت النكبة إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني إلى أربعة تجمعات: فلسطينو 1948 الذين عاشوا تحت إدارة دولة اسرائيل؛ أبناء الضفة الغربية؛ أبناء غزة؛ لاجئو الشتات. ولعل اللاجئين كانوا أكثر عرضة لديناميكية اجتماعية واقتصادية وسياسية وتاريخية وثقافية فرضتها بلدان اللجوء الأولى، ومحطات اللجوء التالية. وفرضتها آليات التفاعل بين مجتمعات اللاجئين والمجتمعات المضيفة.

تبرز في هذا الإطار السيرورة التاريخية لفلسطينيي الضفة الغربية، واللاجئين الذين لجأوا إلى الضفة الغربية والأردن. تتميز تجربة هذا الجزء بفرادة عالية مقارنة بلبنان وسوريا ومصر والعراق.

فمنذ أن وضعت حرب 1948 أوزارها، مر هذا الجزء من المجتمع بديناميكية عالية. ففلسطينيو الضفة الغربية ولاجئو الضفة والأردن تحولوا منذ عام 1950 إلى مواطنين في دولة جديدة هي "دولة الضفتين". إعادة قراءة الأحداث خلال العامين 1949-1950 تظهر–بالرغم من الظروف الصعبة ومحدودية الخيارات أمام فلسطينيي ولاجئي الضفة الغربية، أن دولة الضفتين جاءت نتاج نقاش عام بين نخب وممثلي المجتمع الفلسطيني كما كانت عليه آنذاك (نخب اقتصادية، حزبية، رؤساء البلديات وممثلو اللاجئين في المخيمات...الخ).

من الجلي تاريخياً أن عملية دمج الضفتين في دولة واحدة، لم تكن عملية ضم قامت به دولة ناجزة لبقايا مجتمع اجتز عن محيطه. ولم يكن ميلاد دولة الضفتين قراراً إدارياً تم في لحظة تاريخية واحدة بل كان سيرورة استمرت لعدة سنوات. موقف وهدف الدولة الأردنية وتقاطعها مع موقف النخب الفلسطينية من الضفة واللاجئيين، التي عبرت عن توجهها في دولة واحدة مع الدولة الأردنية، انطلقت من تفكير قومي يؤمن بالوحدة العربية كهدف لكافة الدول العربية ، وكوسيلة لإزالة آثار النكبة تكون في مقدمتها وحدة الشعبين الأردني والفلسطيني، تتبعها وحدة مع شعوب عربية أخرى كما أكدت على ذلك مؤتمرات رام الله، نابلس، أريحا، الخليل، وعمان.

يكشف الجدل السياسي خلال تلك الفترة، بأنه لم يكن في ذهن الإدارة الأردنية التواقة لتوسيع إقليمها الجغرافي أو في ذهن النخب الفلسطينية، تحويل سكان الضفة الغربية أو اللاجئين من هوية إلى أخرى، بل إقامة وحدة بين الشعبين الأردني والفلسطيني في إطار المحافظة على هوية كل منهما ،وعدم الانتقاص من قدرة أي منهما في التعبير عن مصالحه. واستمرت النخب الفلسطينية التقليدية والناشئة لسنوات في دولة الضفتين تعرف نفسها كممثلة للشعب الفلسطيني أولسكان الضفة الغربية. وبرز التعبير عن هذا التوجه حتى داخل المؤسسات الدستورية لدولة الضفتين، مثل مجالس النواب، الأعيان والوزراء.

دفع التوجه العام للنخبة الفلسطينية إلى ميلاد دولة الضفتين، وتقاطع ذلك مع الحركة السياسية في شرق الأردن، لإجراء تعديلات دستورية يكون فيها مجلس النواب المنتخب مصدر السلطات، والحكومة مسؤولة أمام هذا المجلس، والتأكيد على أن الضفة الغربية واللاجئين هم جزء من الشعب الفلسطيني يعبر عن هذا التوجه. كما إن استجابة النخبة السياسية في الأردن لنظام انتخابي، يساوي بين ممثلي الضفة الغربية والشرقية وإعادة تشكيل المجالس الوزارية والأعيان والحكم الإداري ليضمن هذا المساواة، هو فهم وقبول لكون دولة الضفتين هي دولة شعبين.

ولعل هذه التوجهات والاستجابة لها هي التي أدت وخلال عام من سيرورة بناء دولة الضفتين إلى تحول جوهري، في مواقف القوى السياسية الفلسطينية الرافضة لفكرة دولة الضفتين إلى قوى منخرطة في بناء هذه الدولة. فانفضاض جزء كبير من قادة حكومة عموم فلسطين وانتقالهم إلى صفوف النخبة السياسية للدولة الجديدة، شاهد على هذه السيرورة، وكذلك تحول عصبة التحرير الوطني المناوئة لدولة الضفتين حتى عام 1951 إلى الحزب الشيوعي الأردني.

لم تكن المحافظة على اسم الدولة الأردنية نتيجة لتنفيذ أجندة للنخبة الأردنية، أو قبول من النخبة الفلسطينية بتحويل الأقاليم الجديدة والسكان الجدد من هوية إلى أخرى، فلم يكن هذا الأمر ذا أهمية للجدل العام، ولم يكن الأردن كاسم يحمل المدلولات الإصطلاحية نفسها التي يحملها اليوم. وعلى مدار سنوات دولة الضفتين، لم يكن هنالك تناقض عندما يعبر الأفراد عن هويتهم المركبة الأردنية والفلسطينية. وكما أصبحت الهوية الفلسطينية مركبة في ظل دولة الضفتين، أضيف البعد الفلسطيني لهوية الأردنيين ليكون عنصراً أساسياً في تكوين الهوية الأردنية، لم تشهده أي من الشعوب العربية الأخرى. بهذا فإن الأردن كدولة ومجتمع أعيد بناؤه منذ عام 1950 على أساس الثنائية والتعدد والتنوع بين مكونات مجتمعه ،وعلى قاعدة هوية مركبة للشعبين.

ومنذ اوائل الخمسينيات كانت الأحزاب عابرة في عضويتها وقيادتها لحدود الإقليمين، وسرعان ما اندمجت النخبة الاقتصادية هنا وهناك، وتم فرز النخب على أساس مواقفها الأيديولوجية والسياسية بصفة عامة أو اتجاه قضايا محددة. لم يكن التنافس بين هوية أردنية و فلسطينية بل على أساس فكري وسياسي.

وقد تعامل الأردنيون والفلسطينيون في إطار هوية غنيةالتركيب: فأردنية الأردنيين لم تكن نفياً لفلسطينية الفلسطينين، وأردنية الفلسطينيينلم تكن نفياً لفلسطينيتهم. تكاملت الهويات المركبة ولم تتنافس. وشهدت دولة الضفتين هويات تنافسية لكن طابعها كان اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.بل ان التوتر بين الضفتين لا يتجاوز حدود التوتر الجهوي المفهوم في إطار أية دولة او أي مجتمع. ولعل "التناقضات" بين اللاجئين في الضفة الغربية وأبناء الضفة الغربية، كانت أكبر من تلك التي بين أبناء الضفتين.


دولةالضفتين ازدهرت بالخبرات التقنية والتعليمية، التي تراكمت في المجتمع الفلسطيني منذ نهاية القرن 19 على وتيرة أسرع منها في شرق الأردن، وانتقلت إلى دولة الضفتين مع اللاجئين وسكان الضفة الغربية. هذا ينطبق على الخبرات السياسية والاقتصادية.فالأردن أثناء دولة الضفتين أو بعد 1967 يدين لسكانه من الشعبين في تطوره الاقتصادي والمدني. ولعل صيغة الوحدة والهوية المركبة، أتاحت للفلسطينيين أن يكونوا شركاء غير مقيدين في نشاطهم لبناء هذه الدولة وإثرائها.

من اللافت أنه خلال العشرين عاماً الماضية، تميز الجدل السياسي حول العلاقة الأردنية الفلسطينية باستعارة مفردات ومصطلحات استهدفت اللاجئين في دول مجاورة مثل: "التوطين"، وليس المواطنة"، "الضيوف" لا المواطنين.يغفل هذا النقاش سيرورة العلاقة التي نشأت على أساس المواطنة الكاملة في إطار دولة الضفتين، وحيث نزح أبناء الضفة كمواطنين أردنيين الى الضفة الشرقية. يسعى هذا التوجه للمساواة مثلاً بين تجربة الفلسطينيين في لبنان ، وتجربة الهوية الأردنية الفلسطينية المركبة في الأردن ،مع الإغفال المتعمد لاختلافهما الجذري.ومحاولة تعريف الأردني والفلسطيني عبر عودة انتقائية للتاريخ.

تعود بدايات النقاش الذي يتخذ أبعاداً متداخلة وانقسامية، إلى عام 1967. ففقدان الضفة الغربية أخل بعنصر أساسي من العناصر المكونة ،والضامنة لاستمرار ثنائية شعب الدولة الأردنية، والبقاء على الهوية المركبة للأردنيين والفلسطينين. وقد ساعد على تعميق هذا، قيادة فتح لمنظمة التحرير والتعبير عن هوية فلسطينية جمعية تنزعها من بعدها العربي، وتسقط سيرورة تطورها ، دون وعي لخصوصية العلاقة بين الهويتين الأردنية والفلسطينية ومستويات تركيبها.

الصدام المسلح بين المقاومة الفلسطينية والدولة الأردنية، والتنافس على تمثيل فلسطينيي الأردن والضفة الغربية، عمّق الشرخ. كان هناك سعي محموم من المنظمة لتمثيل المجتمع الفلسطيني وقسره على إسقاط الأبعاد المضافة لهويته ، وكان هناك هاجس الدولة الأردنية الأمني –ومن خلال اجراءات عملية- خلال السبعينيات والثمانينيات في اتجاه أردنة أجهزتها البيروقراطية، لإعادة صياغة العلاقة بما يخدم الأجندة السياسية وليس انعكاساً لسيرورة هذه العلاقة، مع ان حقوق المواطنة المدنية والسياسية المتساوية والهويات المركبة، لا تمثل خطراً أو انتقاصاً على أي من الهويات القائمة في الأردن اليوم، بل تغني هذه الهويات .

أتاحت التطورات التاريخية منذ النكبة للفلسطينين تطوير هوية ذات فرادة في المنطقة العربية والشرق الأوسط، إذ يقدمون هوية مركبة على أكثر من مستوى. فهم يملكون عناصر الهوية "الأصلية"، ويحملون مكونات هوية البلدان التي عاشوا فيها والبلدان التي ارتحلوا إليها. ابن العاصمة عمان هو فلسطيني وأردني وعمّاني وعربي، إضافة إلى مكونات سياسية وأيديولوجية ودينية.إن دفع الفلسطينيين لاختيار هوية واحدة بفعل حجج مثل الانتماء والولاء، أو منعه من إضافة عناصر لهويته الفلسطينية من ثقافته المحيطة،هو في جوهره تعريض الفلسطينيين لمعاناة النكبة من جديد، أي نزعهم قسرياً من محيطهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي والتاريخي.

الهوية المركبة عند الفلسطيني تمثل نموذجاً في المنطقة لتركيب هويات متعددة لا تناقض بينها، في وقت أصبح الانقسام على هويات أولية مصدر تهديد لأمن المنطقة واستقرارها.

*د. المصري باحث في مركز الدراسات الإستراتيجية ـ الجامعة الأردنية والمقال عن السجل.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :