facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أسرار للبيع ..


سناء المعايطة
18-05-2008 03:00 AM

يجلس صاحبنا أمام المذيع الحذق، ويحاول بدوره أن يتحاذق أيضا ولكنه لايفلح. صاحبنا المتسابق عليه أن يجيب فقط بنعم أو لا ليكسب مئات الالاف من الدولارات. الأسئلة سهلة للغاية، مجرد حوادث من ماضي المتسابق، تختار مسبقا على ضوء جلسة اعتراف توصل سبابته بجهاز كشف الكذب. الأسئلة جميعها محرجة وتتدخل بأشد تفاصيل الخصوصية، علاقات عابرة، كذب، زور، سرقة، تعاطي مخدرات، وكل ما يخطر ببال المذيع من تجاوزات قد يختار الإنسان في لحظات ضعف ارتكابها. تلك هي مجريات حلقات برنامج "لحظة حقيقة" على قناة "لحظة صدق" إن جاز التعبير.

القضية أن المشترك يوضع بين قرار اعتراف بسوء خياراته مقابل كسب مادي تعقبه خسارة احترام الآخرين. على كل حال فان اكتساب هذا المبلغ من المال قد يعينه فيما بعد على ارتكاب المزيد من التجاوزات و التي ربما قد تعيده لاحقا لنفس البرنامج ليعترف بالمزيد من الاخطاء مقابل المزيد والمزيد من المال .اعترافات قد تجعله يفقد بعد نصف ساعة من بدء البرنامج صداقات كان يعتقد أنها راسخة لأصدقاء مزعومين أمضى معهم أوقات أكثر بكثير من نصف الساعة تلك. أصدقاء لم يعتقدوا للحظة أن دهاليز حياتهم المظلمة ستصبح كتابا مفتوحا مقابل دراهم معدودة.

في عصر أصبح كل شيء فيه معروضا للبيع والتقايض حتى الأسرار ولحظات الضعف، حتى الذكريات بحلوها ومرها، والأعمال بعطر طيبها وسواد ذكرها. على كل حال فلن يضير صاحبنا أن يعتبر فكرة الإشتراك بذاك البرنامج إلا مجرد هفوة من الهفوات التي ستضاف لاحقا على قائمة خيارات المتسابق السيئة.

هذه الأيام تبث نفس المحطة إعلانأ للمشاهدين من الوطن العربي تحثهم فيه للتسجيل والإشتراك بالنسخة العربية من البرنامج عينه، سيجلسون أبا عرب على كرسي الإعتراف، سيكون منهم من يرتدي الغترة أو الشماغ أوحتى الحجاب والبرقع، سيدفعون لهم مقابل الإفضاء لنا بأسرارهم. ربما سيبثونه في رمضان وربما كانت الأجواء بعد صلاة التراويح أنسب لتلقي اعترافات أبي عرب مدفوعة الثمن. سنسمع أن أحدهم ربما اختلس نظرة لجارته قبل اختلاسه لأموال الشركة وربما أكل مال يتيم أؤتمن عليه، أو اقترف كذبة أوقعت على أحدهم الضيم، سنسمع الكثير بدون شك.

الغريب أن القنوات الفضائية تنجح في كل مرة بادخال ثقافات الغرب "ببرامجها الدخيلة" على ثقافتنا والتي كنت اراهن في كثير من الأحيان على فشلها وضمورها. استباحوا أخلاق شبابنا وبناتنا وحصروهم بحضائر مزودة بكاميرات تراقبهم في كل حركة يقومون بها، ألبسوهم ما لم تعتد عليه عيوننا وأنطقوهم بألسنة تخلت عن كل ما يشيرالى شرقيتهم أو عروبتهم. لقد حشروا عشرات الأجساد العربية السمينة من نساء ورجال - أفنوا عمرا مديدا في تخزين دهونها- وأخضعوهم لأنظمة غذائية تباكوا على خلو طعمها من كل حلو ودهن أمام الملايين من المشاهدين العرب، امتلأت عيونهم بالدموع وتضرعت أيديهم للسماء لخسران كيلو غرام من وزنهم الزائد، مارسوا عليهم انواع رياضات عرضت أجسادهم ككتل دهنية تنثني وتتمدد وتمارس (البش أب) و(الست أب) وكأنهم فئران تجارب أسلمت نفسها لجشع يجري اختبارات محرمة دوليا ومرفوضة أخلاقيا. أما مسابقات الجمال التي لا يمكن تشبيها إلا بأسواق النخاسة التي كانت تستعرض الجواري وكأنهن دواب للحراثة تكشف عن اصطفاف أسنانها واعتدال قامتها و قدرتها على التحمل بالسراء والضراء. (للعلم فقط كان يسمح لمشتري الجارية أن يصطحبها ليلة ليتأكد بنفسه انها لا تشخرأثناء نومها).

لا أدري من هو صاحب الفكرة لذلك البرنامج ولكنه بالتأكيد تاجر رخيص يتاجر بأكثر الأمور حميمية وأكثرها خصوصية، مستغلا ضعف النفوس المريضة التي تسعى لبيع كل شيء. كنا وما زلنا نسمع عن أشخاص باعوا أراضيهم، ثيابهم، أو حتى أولادهم وضمائرهم ولكن أن يستبيحوا لآحد أن يساومهم على ذكرياتهم بهفواتها وزلاتها فهذه قمة الإذلال للنفس البشرية والتغول بالجشع من البائع والمشتري معا.

في الواقع لا أعلم إن كان البرنامج سينجح بنسخته العربية أم لا، وليس لدي الجرأة للمراهنة على ذلك. لا أدري ان كان سيتقدم أحد من أبناء هذا الوطن العربي ليبيع أسراره مقابل حفنة من الدراهم، وليضحك المشاهدين على اعترافاته المخزية والمحزنة في آن واحد. آمل أن لا ننجرف أكثر مع تيار التغريب والضياع والإنجذاب نحو كل ما يعرينا من قيمنا وأخلاقنا ورحم الله امرءأ عرف قدر نفسه





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :