facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





في ذكرى استشهاد هزاع المجالي


أ.د. عصام سليمان الموسى
31-08-2015 11:53 AM

كنت في بلدة الزرقاء قبل 55 عاما ازور المرحومة عمتي مريم (ام نايف) حينما سمعت نبأ انفجار الرئاسة، ذلك الحدث الذي هز الوطن وأودى برئيس الوزراء الشهيد هزاع المجالي، وثلة من رجالات الأردن، الذين قضوا معه حين كانوا يراجعونه في مكتبه، رحمهم الله جميعا.

أذكر تماما ان الحركة توقفت، او كادت، ووجمت البلدة الكبيرة ، وصمتت. كنت يومها ابن 15 عاما، وأحسست بمسؤولية ان اكون في المنزل، وأنا الابن الأكبر، الى جانب أفراد الأسرة ولأطمئن على والدي الذي كان يعمل وقتها في دائرة المطبوعات والنشر التي كانت تشغل الطابق الأرضي من مبنى رئاسة الوزراء. مرت اللحظات ثقيلة مشوشة وبعضها سوداوية ، لكني وجدت طريقي الى عمان، لا أذكر الآن كيف، وحين وصلت منزلنا في جبل الحسين، تنفست الصعداء، وحمدت الله على سلامة والدي.

في مذكراته (ثمانون: رحلة الأيام والأعوام) يروي والدنا أحداث ذلك اليوم الأسود في تاريخ الأردن، فيقول:
'كانت الأمور تسير على طبيعتها الى ان وقع في الساعة 11 من صباح يوم 29 آب 1960 انفجار في مبنى رئاسة الوزراء، وهو المبنى الذي كانت دائرة المطبوعات تحتل أحد أجنحته. كان الحادث مفاجأة مذهلة. عند وقوع الانفجار كنت في دائرة الأخبار المقابلة لدار الرئاسة، وأردت ان أعود بسرعة لكي أرى ما حدث، ولكن زميلي طاهر الشهابي أمسكني بذراعي وقال لا تذهب الآن..لقد اعتدنا في فلسطين ان يقع انفجار آخر بعد الأول. يا سبحان الله: كأن طاهر كان يعلم علم الغيب! ووقفنا انا والزملاء في دائرة الأخبار نراقب سحابة الدخان والغبار التي تصاعدت من الطابق العلوي لمبنى الرئاسة. ولم تمضِ سوى عشرين دقيقة حتى هز أسماعنا انفجار ثان في الطابق الأول. وفيما بعد تبين ان الانفجار الأول وقع في مكتب رئيس الوزراء هزاع المجالي، وان الانفجار الثاني وقع في أرضية مكاتب دائرة المطبوعات... كان الحادث صدمة شديدة بالنسبة لي بعد ان عرفت ان هزاع المجالي وآخرين لاقوا مصرعهم، فاعتزمت ان أعود الى منزلي في جبل الحسين، وبينما كنت أسير ذاهلا وقفت سيارة محمد أديب العامري الى جانبي، فأخذني وأوصلني الى المنزل وأنا في أشد حالات التأثر لهذه الفاجعة'.

كان والدنا يعمل مسؤولا عن مجلة (رسالة الأردن) التي كانت تصدر عن الدائرة ، وكنت أعرف وقتذاك ان رئيس الوزراء قد عهد اليه بمراجعة مذكراته. كان هزاع من المسؤولين القلة في الأردن الذين كتبوا مذكراتهم، فبقيت شاهدا له على قوة شخصيته وجرأته وشفافيته. وواضح انه حاز على اعجاب والدنا، فكان من رؤساء الوزارات الأردنية الخمسة الذين كتب عنهم كتابه (أعلام من الأردن). وهذا الكتاب صدر في جزئين: الأول (1986)، واشتمل على سيرة ثلاثة رؤساء هم: هزاع المجالي وسليمان النابلسي ووصفي التل، بينما اشتمل الجزء الثاني (1993) سيرة رئيسن هما: توفيق ابو الهدى وسعيد المفتي.

وعن شخصية الرئيس يقول والدنا (ص47-51): 'كان هزاع المجالي رجلا واثقا بنفسه، معتدل المزاج، طموحا، يمتاز بصراحة متناهية، فيقول للمخطئ 'انه مخطىء' دون تردد او مواربة. هذه الصراحة كانت تنبع من بيئة البداوة التي نشأ فيها. كان محبا للإنصاف ويملك شعورا قويا بروح العدالة. قبل أيام من حادث الانفجار اعتقلت وزارة الداخلية عددا من الأشخاص للاشتباه بهم، فاعترض بشدة وعاتب وزير الداخلية على انه وافق على الاعتقالات دون استشارته. وفي اليوم التالي عمد الى اطلاق سراح اولئك المعتقلين. كان يقول للمسؤولين عن الأمن: لا تضايقوا الناس، دعوهم يتمتعون بحريتهم. في الواقع ان هزاع كان يثق بالناس وخاصة بمن يعتقد انهم جديرون بالثقة...كان يميل للتسامح والعفو وإطلاق الحريات. في عهد وزارته صدر قانون عفو عام شمل كثيرين...لم يكن يحمل اية مشاعر بيروقراطية بل كان ابن الشعب بكل ما في الكلمة من معنى. في بعض الأحيان كان أشخاص يريدون الدخول الى دار رئاسة الوزراء لمقابلته، فلا يتمكنون من ذلك فينتظرون خروجه عند رصيف الشارع. كان هؤلاء يتقدمون اليه وهو يهم بركوب سيارته، فيقبل عليهم ويستمع اليهم. ذات يوم جاءه رجل ومعه فتاة صغيرة يقول ان المسؤولين في الاذاعة يلحون عليه كي يسمح لابنته بالانضمام لجوقة الموسيقى، وهو متردد ويريد ان يستشير الرئيس. كان رد هزاع: ان الغناء موهبة طبيعية عظيمة، فلا تقف حائلا دون ابراز موهبة ابنتك، وثقْ انها في الاذاعة ستعامل وكأنها إحدى بنات المسؤولين. واقتنع الرجل. وتدرجت الفتاة في عالم الفن حتى أصبحت مطربة ذات شأن'.

ويختم والدنا فصله عن سيرة هزاع بقوله: ' كان اردنيا صميما وعربيا أصيلا'




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :