facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





عن الهجرة والمهاجر


بلال حسن التل
14-10-2015 03:39 AM

لا يكاد القارئ للسيرة النبوية يستوعب درساً من دروسها ويفهم دلالة من دلالاتها، حتى تتفتح أمامه المزيد من الدروب لدروس ودلالات جديدة، حتى يصل إلى قناعة بأنه لا نهاية لدروس ودلالات السيرة النبوية، فهي تتجدد بتجدد الأجيال والعلوم والمعارف ومعطيات الحياة، ولعل هذا سرٌ من أسرار جعل سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، ومن الإسلام تمام الرسالات السماوية، ولعل هذا أيضاً سرٌ من أسرار مجيء القرآن الكريم بالقواعد الكلية التي تُرك للعقل البشري الاستنباط منها، ومن هنا كان الاجتهاد مصدرًا من أبواب التشريع بل لعله أغزر وأوسع هذه المصادر وأكثرها تجديدًا.

من هذا الفهم للسيرة النبوية ودلالاتها نتعامل مع الهجرة النبوية التي نحتفل اليوم بذكراها، لنقول أن هذه الهجرة واحدة من أهم تجليات عذابات رسول الله عليه السلام ومعاناته، فليس أصعب على المرء من أن يغادر وطنه، خاصة إذا كانت هذه المغادرة كُرهاً وإرغاماً وفراراً بالدين والعقيدة، وتضحية في سبيل المبدأ، كما هو حال رسولنا عليه الصلاة والسلام في الهجرة، حيث ظل يعاني من بُعده عن وطنه ومسقط رأسه حتى آخر لحظات عمره وكثيرة هي المواقف التي تؤكد هذا المعنى منها خطابه لمكة بقوله: «ما أطيبك من بلدة وأحبك اليّ، ولولا أن قومي اخرجوني منك ما سكنت غيرك» بل أنه عليه السلام هو وأصحابه بعد أن هاجروا إلى يثرب ظلوا يشتكون من الشعور بالغربة التي عبر عنها مؤذن رسول الله بلال بقوله:

ألا ليت شعري هل ابيتنّ ليلة بواد وحولي اذخـر وجليل

وهل أردنّ يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامه وطفيل

حتى أن رسول الله دعا ربه قائلاً: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد) وفي السيرة أنه لما قدم أصيل الغفاري مهاجراً من مكة إلى المدينة سألته السيدة عائشة رضي الله عنها قائلة: (كيف تركت مكة يا أصيل فقال: تركتها حين ابـيضت أبـاطحها، وأحجن ثمامها، وأغدق إذخرها، وإمشر سلـمها، فـاغرورقت عينا رسول الله وقال: لا تشوقنا أصيـل.. ويروى أنه عليه السلام قال له: دع القلوب تقر( وكل هذه المواقف تجسد حجم معاناة الغربة عن الوطن التي مر بها رسول الله وصحابته.

ومعاناة رسولنا محمد عليه السلام هي امتداد لمعاناة سائر أنبياء الله ورسله عليه الصلاة والسلام حيث تعددت صور معاناة هؤلاء الأنبياء والرسل وإن كانت هجرة الوطن تكاد تكون القاسم المشترك بينهم، فقد هاجر محمد وطنه وكذلك فعل عيسى وموسى ومن قبلهم أبو الأنبياء ابراهيم عليهم الصلاة والسلام، وهذه المعاناة للأنبياء والرسل تفرض علينا الوقوف عندها وتأملها واستخلاص العبر منها، خاصة أنه من المعلوم أن في قدرة الله عز وجل أن ينصر أنبياءه ورسله دونما عناء، ومع ذلك لم يفعل ليقول للإنسان الذي استخلفه في الأرض لإعمارها أن هذا الإعمار والوصول إلى الأهداف كبرت أم صغرت لا يتم بدون الأخذ بالأسباب وبدون العمل والجهد والجهاد. وهذه حقيقة كبرى من حقائق الوجود علينا أن نعيها ونعمل على ضوئها، فالنهوض والتقدم لا يأتيان عفو الخاطر، وتحرير الأوطان وبناؤها لا يأتيان بالدعاء والتمني، بل بالعمل والجهد، وهذه من دلالات قول صاحب الهجرة التي نحيي اليوم ذكراها (اعقل وتوكل). فالأصل هو العمل والأخذ بالأسباب، وهذه حقيقة يجب على كل من يعتلي المنابر خاصة منبر رسول الله أن يتذكرها ويعمل بموجبها. فلو ظل المسلمون كل المسلمين يدعون آناء الليل وأطراف النهار على عدوهم بالهزيمة، وظلوا الدهر كله يستمطرون النصر بالدعاء وحده فلن يهزم عدوهم ولن ينتصروا هم، إن لم يأخذوا بالأسباب، فهم ليسوا أعز على الله وأكرم من خاتم أنبيائه ورسله وصحابته، فقد فاتهم النصر في يوم أُحد وكاد أن يفوتهم يوم حنين عندما تخلوا عن الأخذ بأسباب النصر ليذكرهم أن التواكل والدعاء لا يقودان إلى نتيجة ولا يهزمان عددا ولا يصنعان نصراً.

خلاصة القول في هذا الدرس من دروس الهجرة النبوية، أن على المسلمين اليوم أن يغادروا مربع التواكل إلى مربع التوكل المقرون بالعمل الجاد والمخلص، وقد قلنا غير مرة أن الذين يخلقون الحقائق والوقائع على الأرض هم الذين يعملون، وليسوا هم اولئك الذين يتوقفون عند حدود الثرثرة وشقشقة اللسان، كما هو حال الغالبية الساحقة من مسلمي هذا العصر الذين يتوقفون في تعاملهم مع سيرة نبيهم عند شقشقة اللسان دون الغوص إلى مكنونات وكنوز هذه السيرة.

درس آخر من دروس الهجرة لابد من أن نتوقف عنده، وهو أنه عليه السلام هاجر من مكة بعد ثلاثة عشر عاماً من الدعوة المحفوفة بالمخاطر والعذابات، ولم يؤمن به إلا بضعة وثمانون رجلاً وامرأة وطفلاً. لكن عندما توفي بعد عشر سنوات من هجرته كانت كل جزيرة العرب قد دانت له، ويكفي القول أن تعداد الجيش الذي زحف به لفتح مكة بلغ عشرة آلاف مقاتل، وعند هذا التفاوت بين الرقمين لابد من الوقوف للقول بأن التأسيس للتحولات والتغيرات الكبرى في الحياة البشرية يحتاج أولاً إلى تشكيل نواة صلبة من المؤمنين بإحداث هذه التحولات، المستعدين للتضحية في سبيلها، وهي نواة لا بد من إعدادها وتربيتها إعدادًا جيداً، وهو بالضبط ما فعله كل الأنبياء والمرسلين وآخرهم حوارى عيسى بن مريم وتلامذته، ومن ثم كوكبة المهاجرين من مكة إلى يثرب مع محمد بن عبد الله، فعندما تتوفر مثل هذه النواة الصلبة تحدث التحولات الكبرى وتستمر، ولنا في انتشار الإسلام والمسيحية خير دليل على ما نقول، من هنا أهمية السعي لبناء نواة صلبة لأي عملية تغير نريدها في حياتنا، إن أردنا أن نتعلم من سيرة محمد الذي نحتفل اليوم بذكرى هجرته عليه السلام، فهذه النواة الصلبة قادرة على أن تضحي بالمال، وتحمل معاناة الغربة عن الوطن في سبيل المبدأ، لذلك فإنها قادرة على صناعة التحولات الكبرى ومن بينها النصر على العدو فما أحوجنا إلى بناء مثل هذه النواة تأسياً بالمهاجر الذي نحيي اليوم ذكرى هجرته.

الرأي




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :