facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





مسألة أولويات لا أوقات ولا إمكانيات


بلال حسن التل
04-11-2015 02:53 AM

تحدثنا في المقال السابق عن الصورة الأولى من صور غياب قدرتنا على تنظيم أوقاتنا، وسوء إدارتنا لهذه الأوقات، وهو السوء الذي يؤدي إلى هدر هذه الأوقات، الناجم أولاً عن سوء ترتيب أولوياتنا، وعن سوء تقدير إمكانياتنا، مما يؤدي إلى فشلنا في الوصول إلى نتائج إيجابيةعلى الصعيدين الأدبي والمعنوي بسبب غياب حسن استثمارنا لهذه الأوقات، وغياب حسن تقديرنا لإمكانياتنا دون مبالغة، متناسين أن الوقت هو رأس مالنا الحقيقي الذي لايعوض، بل هو حياتنا التي إذا خسرناها خسرنا كل شيء، وأول ذلك خسراننا لأنفسنا. وفي هذا المقال نتحدث عن الصورة الثانية من صور سوء إدارتنا لأوقاتنا وإمكانياتنا، وهي نقيض الصورة الأولى من صور سوء إدارة الوقت واستثماره، وكذلك سوء تقديرنا لإمكانياتنا، فإذا كنا في الصورة الأولى قد رأينا سوء إدارة الوقت واستثماره تتمثل في هدر أوقاتنا فيما لاينفع مثل لعب الورق وخلافه، فإن الصورة الثانية تتجسد في زحمة الأوقات وتحميلها فوق طاقتها، متناسين القاعدة الذهبية التي تقول إن «الازدحام يعيق الحركة» ومن ثم يمنع الوصول. وفي كلتا الحالتين يتم التذرع بضيق الوقت لتبرير تقصيرنا أو فشلنا في أداء واجباتنا ومهامنا على الوجه الأكمل.

تأتي زحمة الأوقات لأسباب متعددة، فهي عند البعض تنجم عن رغبتهم في الاستحواذ على كل شيء، وإن كان هذا الاستحواذ على حساب الجودة، والإتقان وإتيان كل ذي حق حقه، خاصة في مجال العمل والمهام الموكلة إليهم.
على أن أخطر النتائج التي يدفع ثمنها الأشخاص الذين تسيطر عليهم الرغبة في الاستحواذ، أن هذا الازدحام في الأوقات يأتي في كثير من الأحيان، على حساب الجانب الإنساني في حياة هؤلاء الأشخاص ذلك أن كثيرين من الأشخاص الذين تسيطر عليهم الرغبة بالاستحواذ يربطون حتى علاقاتهم الإنسانية برابط المصلحة المادية ومقاييسها، بعيداً عن دفء العلاقات الإنسانية حتى مع أقرب الناس إليهم، وكثير هي الأسر التي فقدت دفئها أولا لتصل من ثم إلى فقدانها لترابطها بسبب سيطرة الرغبة في الاستحواذ على أحد الأبوين في هذه الأسرة، ومن تم تفضيله لأوقات التواجد خارج أسرته على حساب تواجدة في حياته الأسرية.

كثيرة هي صور التعبير عن الرغبة في الاستحواذ التي تسيطر على البعض، منها أن هؤلاء يحرصون على التواجد في كل الأماكن والأنشطة التي يعتقدون أنها تضعهم تحت الأضواء، وهم بهذا التواجد يحاولون تطبيق قاعدة «حب الكل تحظى بالكل»، وهي قاعدة أثبتت التجارب العملية فشلها وخسران كل الذين طبقوها فقد خسر هؤلاء معظم الناس ومعظم القضايا التي رهانوا عليها، كما فشلوا بالوصول إلى الأهداف التي سعوا إليها.

ذلك أن الأشخاص الذين تسيطر عليهم الرغبة بالاستحواذ يستسلمون لها، فتدفعهم إلى السعي ليكونوا في كل الهيئات واللقاءات والتجمعات والاجتماعات، التي يعتقدون أنها تضعهم تحت الأضواء، متناسين أن اللهاث للتواجد في ذلك كله، يفقدهم القدرة على التركيز ومن ثم على الإنجاز، كما يفقدهم القدرة على التأثير في أي لقاء أو اجتماع، لأن هذا الحضور يصبح في معظم الأحوال أو كلها حضورا عابرا لا أثر له، ومن ثم فإنهم لايتركون بصمة في أي عمل يشاركون به، أو أنهم لايتركون أثرا في أي مؤسسة يشارك الواحد منهم في إدارتها، وهؤلاء يصدق فيهم قول رسول الله عليه الصلاة والسلام «أن المنبت لا أرضاً قطع ولا ضهراً أبقى»والمنبت في اللغة هو الذي يبالغ في طلب الشيء فيفوته إدراكه بسبب هذه المبالغة.

إن من المسلم به أن المبالغة في الأشياء من المذمومات المكروهات، سواء كانت هذه المبالغة في إعلان المواقف أو المجاملات التي تنقلب إلى نفاق، فكيف إذا كانت مبالغة كمبالغة أهل الاستحواذ التي تشبه كثيرا مبالغة المقامر، الذي كلما زادت خسارته ازداد إصراره على المقامرة أملا بالتعويض، فتكون النتيجة الإفلاس، وكذلك أولئك النفر من أهل الاستحواذ الذين كلما خسروا فرصة لهثوا أكثر إلى الانخراط في المزيد من الجمعيات والهيئات، وقد فات هؤلاء أن هذا الانغماس في المواعيد من أسباب الفشل الناجم عن عدم إعطاء ما يوكل إليهم من مهام ماتستحقه من اهتمام ووقت، وعند الوقت نتوقف من جديد لنذكر مرضى الاستحواذ بالأوقات المهدورة في التنقل من اجتماع إلى اجتماع، وهو التنقل الذي يفقدهم القدرة على التركيز، إما بسبب الإرهاق أو بسبب أسلوب ( السلق) في الحضور والمشاركة. مما يفقد من يصاب بهذا الداء الكثير الكثير على الصعيدين الأدبي والمعنوي، خاصة عندما يصنف بعضهم بالمتطفلين والأشعبيين الذين يلحون على وجودهم في كل وليمة مصداقا للقول الشعبي «له في كل عرس قرص».

وعلى ذكر الأمثلة الشعبية فإن هؤلاء الذين يرغبون في الاستحواذ على كل شىء فتزدحم اجنداتهم بالمواعيد ينطبق عليهم المثل الشعبي عن «من يحاول حمل العشر طيخات بيد واحدة «فيخسرها جميعا، ذلك أن رغبة البعض في الانخراط بكل شيء دون مراعاة لقدراته وأوقاته يجعله لا يعطي الأمور حقها كما أسلفنا. فيخسر كل شيء وهذه هي الصورة الثانية من صور سوء الإدارة للوقت في بلادنا وهي مع سابقتها تتناقض مع القاعدة الذهبية التي تقول»خير الأمور أوسطها». لكن الصورتين تؤكدان أن مشكلتنا ليست في الأوقات بل في الأولويات والإمكانيات.

الرأي




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :