facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





خالد الساكت ومراياه الكاشفة


ابراهيم العجلوني
17-11-2015 09:47 PM

ثمة خلق من الخلق عرفتهم الدولة العربية الحديثة يصخبون صخبهم في مقاهي اليسار سحابة النهار, ثم اذا كان المساء وجدتهم يتخافتون على موائد اليمين. واليسار واليمين هنا مأخوذان بالمصطلح الماركسي لا بقانون العربية الشريفة.

هؤلاء, لا ريب, يبررون ما هم فيه من تناقض لأنفسهم, ويزوّرون لها الحجج التي تستنيم اليها. وإن لهم لأنفساً غير لوامة بحال من الاحوال, وإنهم ليتصالحون معها من اقرب مطمع وبغير عناء يذكر.

إنهم لا يؤمنون بالقيم التي نؤمن بها نحن البسطاء, ولا بما تفرضه علينا من مواقف واعمال أو بما تنهانا عنه منها.

وفي الحق أن هؤلاء مطلوبون في الدول التي تسيطر عليها طبائع الاستبداد, ذلك انهم الأخف من الاخلاق والمروءات احمالاً, والاسرع الى الاستخذاء في معترك السياسات, والى أن يستجيبوا لأول التلويح لهم بالمنافع, مادية كانت أو معنوية.

ولقد يكون بعض هؤلاء ملأ فراغ ذهنه, منذ زمن بعيد, بأطياف افكار واشباح مقولات, ذهب به الظن معها أنه ممن يحركون التاريخ. وقد يكون بعضهم خدع الناس بأن مهاب الريح تروح وتغدو من تحت قدميه فهم يخشونه ويحسبون حسابه ويقايضونه على ما يتوهمون انه قادر عليه. وقد يكون بعضهم ممكناً في هذا الموقع أو ذاك لسهولة انتزاعه من هذا الموقع أو ذلك لا لكفاية فيما قد يتراءى للجهلة او اعتبار.

وعلى ما يتمتع به هؤلاء من ذكاء عملي ودهاء ذرائعي ومن قدرة على التخفي بما يتجلون به, الا انهم غير ملتبس أمرهم على اولي الالباب. بل إن المفارقة بين ظنهم بأنفسهم وبين معرفة المستبصرين بهم لتبلغ حد الكاريكاتير المضحك, ولو بعث الجاحظ فينا اليوم لكتب فصولاً طوالاً من تربيعه وتدويره عنهم, ولأعمل سخريته فيهم, ولأوشك من يفهم كلامه منهم ان يتلمس اطرافه واعطافه, تماماً على نحو ما كان من اديبنا الراحل «خالد الساكت» في كتابه «مرايا صغيرة» وفي بعض اشعاره التي صدرت كاملة بمقدمة من صديقه الشاعر المصري فاروق شوشة رحمه الله..

لقد رسم شاعرنا الراحل صوراً كاريكاتيرية لعدد من الشخصيات التي خبر اخلاقها وعرفها عن كثب, ورأى الى ما تتذاكى به من غباء, أو الى ما تتغابى به من دهاء. ثم جعل ذلك كله لوحات قلمية معجبة, وأدباً رفيعاً, ومرآة ناقدة تعكس طبائع الاستبداد في امة العرب التي نذر لها خالد الساكت عمره, وترجل عن جواده وعيناه معلقتان بوعود وحدتها, ونهضتها, وتسلمها راية رسالتها الخالدة مرة اخرى.

لقد اراد «ابوقيس» رحمه الله ان يضع مراياه الكاشفة أمام عدد من صنائع الاستبداد في واقعنا العربي المريض. وكان نصيب اهل الادب والفكر هو الاوفر والاكثر حدة في التناول. ولم يكن صاحب المرايا لينظر الى الاشخاص الذين رسمهم من حيث هم افراد او حالات خاصة, بل من حيث هم امثلة وانموذجات ينبغي اتراكها ودفعها بعيداً عن حياتنا الثقافية والسياسية ليصح لنا الزعم بأننا ماضون, بعزيمة صادقة الى نهضتنا المنشودة, آخذون شروطها بقوة, مخرجون من صفوفنا مزيفي الوعي وصنائع الاستبداد, من ضعفة ومنافقين كاشفون عوارهم ودافعون, ما استطعنا, عن بلادنا, أوضارهم.. ولو تنفّس العمر بأديبنا الراحل, لتعاظمه أن يرى فريد تمكين لهؤلاء في أمة العرب على تهافتهم, في حين يدفع في صدور المصلحين المخلصين ويحشرون الى أضيق العيش, وهم يوزعون.

واذا كان من «ملحة وداع» في حديثنا هذا فهي مما لا نزال نستذكره من اقوال الساكت في مواجهة عالم متوحش غير معني بنا نحن العرب ولا بما يلاقيه الفلسطينيون منا وغيرهم من آلام وعذابات وضروب اهتضام, اذ لطالما كان يقول: «لو سقطت قارة استراليا في المحيط فلن يحسّ بذلك أحد في هذا العالم المأفون» ومعنى ذلك فيما يريد خالد الساكت توكيده أننا في عالم أصم ولا بد لحقوقنا فيه أن يكون لنا رؤوس مسننة, وان علينا ان نعمل بمقتضي قوله تعالى في اقوياء المؤمنين: «واذا اصابهم البغي هم ينتصرون».

رحم الله خالداً الساكت الناطق بأوجاع أمته, وعسى أن يكون, في جنان الخلد, من الخالدين.

الراي




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :