facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





أرواحنا حين يعتريها الإنهاك


بسمة النسور
05-03-2016 04:32 PM

كل ما يلزمنا التحلي بفضيلة الشجاعة والصدق، لكي نصل إلى مرحلة الاعتراف بأن الواحد منا ليس 'طرزاناً'، ذلك الفتى نصف العاري بصرخته الشهيرة، الذي لطشت هوليوود ملامحه المستوحشة المتوحدة المنتمية إلى عمق الغابات من 'حي بن يقظان'، رضيع الغزالة وربيبها، ذلك بعد أن عزت الأم البيولوجية كما يحدث دوماً بمقتضى الضرورة الفنية لولادة الشخصيات التراجيدية الأسطورية المنذورة للخذلان في صراعها الوجودي، القائم على فكرة التوحد.

طرزان ربيب القردة بدوره ذو البأس والمنعة والقوة والجبروت والقدرة على التصدي لكل الصعوبات والمشاق منفرداً، وهو البطل المنحاز المتمسك بخيار العزلة والاستغناء بالمطلق عن الناس، والنأي عن الجماعة الإنسانية باعتبارها مصدر الشرور كلها.

إذا اعترفنا بأننا بشر ننتمي للأصل الطيني نفسه، بهشاشته وبأحزانه وانكساراته وخساراته المتتالية، فإننا سوف نقر حكماً باستحالة اتخاذنا قراراً طرزانياً أو يقظانياً مشابهاً! كون خيار كهذا مناقضاً لفطرتنا المجبولة على بديهية التفاعل والانفعال مع المجموع، ولسوف نقر مرغمين بأننا لا نريد أن نظل جزراً معزولة إلى الأبد، بل نسلم بحقيقة حاجتنا إلى الآخرين دائماً، هكذا ببساطة من دون أدنى ادعاء.

نتوقع منهم، في لحظاتٍ معتمةٍ، أن يسندوا أرواحنا، حين يعتريها الإنهاك، وأن يصدّوا الحزن والوحشة، عندما تتسلل إلى أرواحنا في لحظات مفصلية، تجعلنا في حاجة قصوى إلى كتفٍ نميل عليها، محاولين التخفّف من وعثاء لحظة مثخنة بصنوف الجراح.

تتجلى، هنا، القيمة الكبرى للصداقة كعلاقة إنسانية أساسية، قائمة على الاختيار الحر، المنفلت من اعتباراتٍ تبدو منطقيةً، تحكم معظم علاقاتنا في أحيانٍ كثيرة، كالزمالة والجوار والقرابة، علاقات تصبح، في حالاتٍ كثيرة، أعباء ثقيلة، نظراً لطبيعتها الإلزامية.

نحن نذهب إلى الصداقة بشكل غامض. ولكن، بوعيٍ كامل، أحراراً مختارين أصدقاءنا أشقاء للروح، تولد الصداقة تماماً مثل الحب. هكذا، بدون أية شروط مسبقة، ولا يؤكد انبثاقها سوى مبدأ 'الأرواح المجنّدة التي ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف'. من هنا، نعول على الصداقة أكثر من أي علاقة إنسانية أخرى، ولا نتردّد في استثمار أرواحنا في علاقات كهذه، من دون أن نشعر بأنها باهظة، أو ضاغطة، أو ترتب استحقاقات من أي نوع. نحرص عليها، ونصر على ديمومتها، لأنها مرآة شديدة الصدق، وكيفية تعاطيها مع نوائب وأفراح الزمن بالتناوب. وبقدر ما تبيح لنا حيزاً حيوياً للبوح والتعبير عن الذات، مهما بلغت درجة اسودادها، تظل سنداً نفسياً شديد الأهمية، نتكئ عليه، كلما اقتضت الحاجة، من دون أدنى حرج.

وبقدر ما نضخ فيها من أسباب الحياة، فإنها تظل عفية نابضة بالوفاء، وكي نصل إلى مرحلة متقدمة كهذه، ينبغي أن نكون جديرين بها، لا نتعاطى معها كتحصيل حاصل، وإلا ننسى أنها قائمة على مبدأ العطاء بالمثل، فإذا انتاب أحداً ارتياب بأن هذه العلاقة تستنزف طاقته بلا جدوى، يكون الخلل قد وقع، ويتطلب رأب الصدع في العادة، تضافر إرادتين قابلتين لتجاوز الخدوش، وقد لا يتبقى أمامنا إذا عجزنا عن ذلك سوى اللجوء إلى قرار الموت الرحيم والحالة هذه!

تعرّض مفهوم الصداقة للاستباحة والمجانية، وتم التعاطي مع المصطلح من دون تأملٍ كثير، فبمجرد أن نعرف شخصاً على مستوى واحد، حتى نستسهل منحه رتبة صديق. وهذه حماقة كبرى، فالأصل أن حدوث الصداقة أكثر صعوبةً وتركيباً، ولا بد من التعرض لامتحاناتٍ ومواقف كثيرة، لكي تثبت قابليتها للصمود. ولعل أكثر الصداقات رسوخاً تلك التي تبدأ في مرحلة الطفولة، إذ تظل تلك الصداقات قابلة للتصديق، محتفظة بنقاء سريرتها، مهما طال الزمن، ما يمنحنا الإحساس بشيء من الأمان، لإدراكنا أننا لسنا وحدنا بالمطلق، وإن ثمة من يكترث ويحرص ويحمي.

ونظلّ، كمجموع، ننظر بعين الإعجاب، ونعتبره معيار نجاح أساسيا، لمن امتلك دفة التوازن، محتفظا بدفء صداقاته وديمومتها. ويقيم أداءنا بالحياة في العادة بمدى ما نمتلكه من رصيدٍ في بنك الصداقة، ملاذاً وفسحة يقين، يعدنا بمزيد من الأمان، في مواجهة قادم الأيام وعثرات الزمان.

العربي




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :