facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





غُربةُ ابن درّاج


ابراهيم العجلوني
04-04-2016 04:00 AM

كان الشاعر الاندلسي احمد بن دراج القسطلي المتوفى سنة 421 للهجرة هو اكثر شعراء الاندلس شهرة كما كان المتنبي اكثر شعراء المشرق العربي شهرة. ويرى بعض الدارسين ان رائيته في مدح المنصور بن أبي عامر تفوق رائية ابي نواس في مدح الخصيب بمصر. وقد نعتبر الرائيتين المشرقية والمغربية دليلا قائما على وحدة الذائقة الادبية في بلدان العروبة على تباعد ما بينها.

وعلى أهمية هاتين القصيدتين، إلا أننا لا نعرّج عليهما هنا، تاركين ذلك لمن يهتم بهما من الدارسين، ونصوّب نظرنا الى ما كان من استيلاء الشعور الممض بالغربة على هذا الشاعر المُجيد.

يقول ابن دراج، فيما لا ينقطع تأمله الا بأوجع يقين بالزمن الضنين:

وإنّ بلاداً أخرجتني لعاطِلٌ
وإنّ زماناً خان عهدي لَخوّانُ
سلامٌ على الإخوانِ تسليمَ آيسٍ
وسَقْياً لدهرٍ كان لي فيه إخوانُ
كما يقول فيما يمكن اعتباره غُربة مركّبةً:
قالت وقد مزجَ الفِراقُ مدامعاً
بمدامعٍ، وترائباً بترائِبِ
أتفرُّق حتّى بمنزلِ غُربةٍ
كم نحن للأيام نُهبةُ ناهِبِ

ولو ذهبنا ننظُرُ في هذا الشعر الذي هو أصدقُ ألفَ مرّة من مدح حاكميْ مصر والأندلس، لوجدناه ممّا يمكن التمثل به اليوم في كلتا حاليْ الغربة: في الوطن وخارجه.

ولا نحبُّ هنا أن «ننثُرَ» الأبيات السابقة من شعر ابن دراج، صنعة بعضهم في الاطالة التي لا طائل وراءَها، ولكننا نحبّ ان نستنطقها مضامينها التي تحير العقول وتصدع القلوب.

ففي قوله: «وإن بلاداً اخرجتني لعاطل» توكيد لحقيقتين مؤلمتين في آن، هما: ان الشاعر أُخرجَ عنوةً من بلاده، وأنه واضرابه زينة للبلاد تصبح حين يُدفعون عنها عاطلاً.
وأما قوله: «سلام على الاخوان تسليم آيسٍ» فهو يُنبئ بما كان قبل هذا القنوط من تجارب قتلت في نفس ابن دراج كل أمل، فاليأس هنا يأسُ من «يعلم» بمَوَات الأنفس. وفي اصل اللغة ان «يئس» بمعنى عَلِمَ.. وما كُلّ علم بنافع.
أما قولُهُ:
أتفَرُّقٌ حتى بمنزِل غُربَةٍ
كم نحنُ للأيامِ نُهبَةُ ناهِبِ
فهو اقرب الى ان يكون صورة من واقع يعيشه كثير ممن اضطروا الى الهجرة من اوطانهم، ثم تباعد ما بينهم وبين أحبابهم في مهاجرهم نفسها.
ومهما يكن الامر فان من شأن الشعر الحقيقي ان يستبقى ألَقَهُ، ويجدّد صداه، على الرغم من تتابع القرون وتوالي العصور. فهذا شعر لابن دراج قيل قبل أكثر من ألف عام، ولكنه ما يزال كأنه قيل أمسِ أو لساعته. بل إننا لنَزْعمُ أنّ تصويره لما نحياه اليوم من اغتراب مما لا يستطيعه كثير من شعراء هذه الأيام.

الرأي




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :