facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المنسلخون عن ثقافتهم ( اللي بيخلع ثوبه بيعرى )


12-08-2008 03:00 AM

يواجهني كل يوم في جامعتي العزيزة التي اكمل فيها دراستي العليا ، عدة مواقف تثير الدهشة ، وتدعو الى الاستغراق فيما نحن فيه من ضياع وغربة ، ويعمل على توريط العقل بعصف ذهني يغدق في التفكير والتحليل لواقع مايجري حولنا ، ويعمل على تفسير التحولات الاجتماعية والتوعوية التي بدأت تلقي بظلالها المرير على واقعنا الاجتماعي والتربوي ، وتتسرب الى وعينا الباطن المحكوم بماضينا وتراثنا وعقلنا المعرفي المتراكم .

وحيث انني وبحكم دراستي التقي بالعديد من الطلاب من مختلف المستويات العلمية والاجتماعية وغيرها ، فانن اتعرض للكثير من المواقف ، المتباينة والدروس اللامنهجية في علم الاجتماع ، والسلوك الاجتماعي ، واحاول احيانا دراسة او تفسير مااتعرض له ولو بيني وبين نفسي .
ومن هذه المواقف ، انني تعرفت على احد الطلبة الجدد والذي ينحدر من احدى القرى الجميلة والبعيدة عن العاصمة ، وقد اخذ هذا الطالب ، يسرد لي بفخر انه انتقل الى عمان مع والده اثر بيعه لأراضيه في تلك القرية البعيدة ، وانه يعمل على قطع كل الروابط التي تربطه بجذورة في قريته تلك ، مما دفعني ان اذّكر هذا الشاب اليافع وبكل مرة التقيه وباسلوب المزاح المخلوط بالعتب بانه من القرية الفلانية ، فيستشيط غضبا ويجيبني بالانكار وبانه اصبح من عمان ولا تربطه بتلك القرية اية صله .

ان مثل هؤلاء الكثيرون الذين يتخلون ببساطة عن تراث اجدادهم وعن روابطهم الثقافية والتراثية والتاريخية ، لايستوعبون قيمة مايكتنزه البعد المكاني والثقافي والاجتماعي الاصيل للقرية الاردنية ، حتى اتى الوقت الذي اصبح الواحد منهم يتنكر لقريته بعد هجره لها بايام معدودة ، حيث تناسى ذكريات الحي العتيق والنبع الصافي والوادي الاخضر ، تلك الاماكن التي تختزل النقاء والصفاء والاصالة بكل مافيها من قيم ومعايير اجتماعية واخلاقية يصعب تعويضها او اغفال مكنونها في نفوسنا ، ودور تلك الكعاني والقيم في تشكيل سريرتنا البيضاء وعفويتنا البريئة التي بنيناها منذ ايام طفولتنا وسنين عمرنا الجميل .

يقول لي هذا الطالب انني لا اود ان اتذكر ذلك الماضي لانني انا الان في عمان واصبحت من ابناء احدى المناطق الراقية هنا . ويضيف انه غير خجل من التنصل من ماضيه وتراثه واصله ، مقابل ان يعيش حياته الجديدة المرفهة . ولقد متناسيا هذا الفتى ان سماته القروية ، ولفحة الشمس على وجهه ولكنة لسانه العتيق لايمكن ان تتخلى عنه بسهولة .

ان هذا الانسلاخ حقيقة لايفاجئنى ، بقدر مايستوقفني للحظات ، لانه لايكاد يساوي شيئا بجانب الانسلاخ الكلي عن ثقافة العقل المعرفي والتراكم الثقافي الاجتماعي ، الذي يشكل ماضينا الكلي وثقافة امتنا . فالفتى الذي ارتضى على نفسه الانسلاخ عن الماضي القريب والتراث القروي والبيئة المحاذية ، يملك الاستعداد التام للتخلي عن مجمل تراث امته ، وانتمائه الحضاري ، وحتى عن عقله المعرفي المتراكم الذي لايستطيع ان يخفيه الى الابد ، لانه مزروع في حنايا عقله الباطن .

وانني لعلى يقين بان المنسلخين عن ثقافاتهم وتراث امتهم والذين يتشدقون ليلا نهارا بمزايا ومظاهر الحضارات الاخرى ، هم في البدء كانوا منسلخين عن تراثهم القريب ، وبعدهم الاجتماعي والبيئي المحاذي ، لان هؤلاء لديهم الاستعداد الذاتي للهروب من جلودهم وارتداء جلود غيرهم . علما بان هذه الجلود الجديدة سوف تتسبب لهم بالالتهابات والامراض الاجتماعية والمعرفية ، لان اي جسم اصيل لايقبل العضو الغريب عنه ويقاومه الى ان يلفظه . وسيعرف هؤلاء المنسلخين والمتمايزين بجلود غيرهم ، انهم في يوم من الايام سيلفظون الى حديقة امتهم الخلفية لايراهم فيها ، الا المتخلفون من امتهم . والمتخاذلون من ابناءها .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :