facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





لذة الصوم الحقيقية


د.رحيل الغرايبة
10-06-2016 03:56 AM

الصوم له مذاق ماتع و لذة طيبة عميقة، يستشعرها الصائم لحظة الإفطار بعد يوم طويل وشاق استطاع أن يضبط نفسه فيه على مدار ست عشرة ساعة متواصلة من الامتناع عن تناول ما تشتهي نفسه من الطعام والشراب، فعندما يجلس على مائدة الإفطار لحظة الغروب في لمة عائلية هادئة متحلقة حول حبات التمر وقدر الحساء الساخن، وأكواب اللبن والتمر الهندي وبعض السلطات الخفيفة، يسيطر على المكان لحظات دافئة ونسمات رقيقة ممزوجة ببعض الأدعية والابتهالات الروحانية الغامرة، تطفح بالبِشر، ويخيم على المكان شعور القرب من الله، والشعور بإنجاز صوم يوم حافل بالجوع والعطش والعمل والإنجاز وبعض المشقة المقدور عليها.
الانضباط النفسي المحكم عن التشهي طوال اليوم يصبح ملكة راسخة لدى الصائم، ومع مرور الأيام الأولى يسهل على الإنسان فطام نفسه وتعويدها هذا الامتناع الطوعي المحبب، ويصبح الصوم أمراً ميسوراً يتناسب مع قدرة الإنسان الطبيعية العادية وفطرته السليمة، ومع تكرار الأمر يشعر الإنسان بالقوة النفسية الداخلية التي تتمازج مع شعور الثقة بالنفس والشعور بالفخر والاعتزاز الداخلي الايجابي المبني على نسج العلاقة الوطيدة وغير المنظورة بين العبد وربّه.
يتعاظم الشعور بلذة الصوم إذا استطاع الصائم أن يضيف إلى الانضباط السابق انضباطاً آخر عن فحش الكلام وبذيئه، وأن يمسك لسانه عن السباب والشتائم وعن الغيبة والنميمة، وأن يضبط نفسه عن رد الإساءة للمسيء، وأن يحمل نفسه على التجمل بخلق التسامح والعفو والتغافر، أثناء تعامله مع الناس في الشارع والسوق، وفي زحمة الطوابير والبيع والشراء، وأثناء قيادة المركبة والاحتكاك مع الغاضبين ومع الذين فقدوا أعصابهم في غمرة الحياة اليومية، فمن يستطيع كبح نفسه عن الجدال وأن يميل نحو الهدوء والسكينة وعدم الانسياق وراء جماح الغضب، هنا تكمن اللذة العميقة المحببة، من خلال النية الصادقة بالاحتساب للخالق، وفي نيته تهذيب النفس والنجاح في هذه الدورة التدريبية الشاقة.
من أجمل ما يشعر الإنسان بلذة الصوم أن يمتلك القدرة على تقديم الصدقات لمن يستحقها في هذا الشهر الكريم، وأن يعمد إلى تخفيف عبء الحاجة عن المحتاجين، وأن يسهم في تقديم العون لأصحاب الحاجات من أهل بلده وقريته والحي الذي يسكن فيه، فليس هناك ما هو أجمل من الشعور بالمتعة الداخلية لدى الإنسان عندما يتمكن من تقديم المساعدة الخفية التي لا يطلع عليها إلّا الله، والاستمتاع بلذة العطاء.

الصوم الذي يجعل الصائم أكثر فاعلية وانتاجا وأعظم إنجازاً هو الذي يشعر الإنسان باللذة الحقيقية، ولا شعور بلذة الصوم للخامل الكسول الذي يقضي نهاره نائماً مخدراً وغائبا عن الوعي والاحساس بالمعاناة، بلا عمل ولا إنجاز، ولا خدمة لنفسه ولا لغيره، فكيف يشعر بلذة الصوم من لم يشعر بمشقة الصوم!! ولم يشعر بمشقة الامتناع عن مفارقة الشهوات ومشقة ضبط النفس، لأنه لا لذة لشرب الماء إلّا لمن يشعر بالعطش، ولا لذة للأكل إلّا لمن ذاق مرارة الجوع.

الصوم يحوي لذة عميقة ومتشعبة ومتغلغلة في أعماق النفس لمن يجيد عملية البحث عنها، ولكل من يفقه الصوم ويفهم لغته ويدرك أسراره بعناية ورؤية ثاقبة وحكمة بالغة، ويبتعد قدر الإمكان عن السطحية في الممارسة، وعن التذمر والتشكي المصحوب بزعزعة اليقين وتلجلج الإيمان.

الدستور




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :