facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





المناهج بين التطوير والتأطير


أ.د. سميح الكراسنة
27-11-2016 01:23 PM

تعد المناهج التربوية من أهم أدوات تحقيق الغايات التي يرسمها صناع القرار ومخططو السياسات في أي بيئة لبناء المنظومة الإدراكية والأدائية والوجدانية الاستراتيجية الشاملة والمستدامة القادرة على تحقيق الهدف المنشود في كافة مفاصل الحياة، ومختلف قطاعات الدولة، فهذه عقيدة الدول النابضة بالحياة والأمل الصادق لمستقبل منتج لأجيالها. ولعل ذلك يتم بواسطة الأيادي الوطنية الشريفة المخلصة لأفراد أي مجتمع من أجل الحفاظ على هويتهم الوطنية وخصوصياتهم الثقافية بكل مكوناتها العامة والخاصة في عالم يتسم بالسرعة والتغيير والتلون المستمر والصراعات التي ربما توصف بالوجودية.

ولا يختلف اثنان على أن عملية تطوير المناهج ومراجعتها مطلب أساسي، وجهد علمي وإنساني وأخلاقي ووطني مسؤول، وقرار حكيم ومستمر للقائمين على أي نظام تربوي، وحاجة مجتمعية ملحة، وعملية معقدة وبالغة الأهمية والحساسية. ولكن يبقى السؤال المهم: ما الذي يتم تطويره وتغييرهفي المناهج!! حقيقة مهما كانت طبيعة التغييرات التكنولوجية، ومهما بلغت الحاجة إليها في ظل المفاهيم العالمية المتجددةومتطلبات ما يسمى بعصر العولمة والرقمية، تبقى نقاط الارتكاز والمحاور الثابتة التي يعتمد عليها -ولا على غيرها-مطورو المناهج والعاملون على التغيير هي:قيم المجتمع وثوابته الضاربة جذورها في عقيدته وتاريخه وإرثه الثقافي والاجتماعي والأخلاقي المتفرد والمتميز. فالقيم هي عصب المناهج والدماء التي تجري في عروقها، والمناهج هي التي تخدم القيم والثوابت وتحميها، لا العكس!!!. وبذلك فتطوير المناهج في أي بيئة لا يكون بتغيير نص بنص، ولا اسم باسم، ولا صورة بصورة، ولا ألفية بنبطية، لأنه من المفترض أن لكل خبرة أو مصدر تعلمي في المنهجمؤشر قيمي يسهم في تعزيز المنظومة القيمية الشاملة. وهذا يؤكد أن مطوري المناهج قد بنوا المناهج على منظومة قيم شاملة ومتتابعة توزع على مراحل التعليم المختلفة، ومتكاملة - بمفهوميالتكامل والدمج في المناهج- . ولذلك فمن حق أي فرد في أي مجتمع أو من يمثله من أعيان ونواب أن يسأل أصحاب القرار التربوي في بلده عددا من الأسئلة، منها:ما هي القيم التي قامت عليها مناهجنا؟ وما هي مصادرها؟ ما هي الثقافة التي ستشكل ملامح شخصية أبنائنا؟كيف تم توزيع كل ما سبق على مراحل التعليم؟كيف تم تقديم القيم (أو تضمينها) لأبنائنا في المناهج وأدواته والتي من أهمها الكتاب وما فيه من مصادر تعلمية فرعية هامة وحساسة؟كيف نضمن متابعتها وتقييمها؟هذه أسئلة، وأسئلة كثيرة حولالتطوير والقيمتطرح على المسؤول. وهو بدوره ومنمنطلقواجبه المهني والأخلاقي والاجتماعي والوطني عليه أن يكون واضحا في الإجابة والتعريف بكل صدق وأمانةوشفافية ونزاهة واعتزاز بكيفية تجسيد التطوير ليخدم القيم، وأن يظهر لمجتمعه وأمته كيف تم تجسيد القيم فيالمناهج الدراسيةالمطورة بكل مكونات المناهج، إضافة إلى إجراءات ومعايير التغيير في الأدوات والاستراتيجيات التي تم من خلالها تطوير المناهج، بحيث يمكن حصر تغير طبيعة أدوار ومكونات الشخصية المقصودة للمتعلمين بكل استقامة ووضوح. مع ضرورة التوضيح لآليات حسر أي مجال لتعلماتمصاحبة غير مقصودة في المناهج، ربما تضر بمنظومة القيم، حيث لا يتغلب فيها المنهج الخفي على المنهج المعلن(الرسمي). فكلما كانت التوقعات إيجابية وواضحة للتعلم المصاحب غير المقصود كبيرة، كلما حقق المنهج الرسميالغايات بشكل أفضل، وعلى سبيل المثال فالكتاب المدرسي الذي يمتلكه الطالب ويطلع عليه الأهل بما فيه من مفاهيم ومبادئ وحقائق وقوانين ونظريات لأي بناء معرفي، أوأماكن وشخصيات، وصور، ونصوص ونشاطات أوتدريبات وروابط إلكترونية، يجب أن يكون واضح الأثر والتأثير، والغايات والنتاجات، بل إن احتمالات الخطأ في غالبيتها متوقعة ولا أثر سلبي حقيقي يذكر منها على المتعلمين.عندها ....لايمكن لعاقل أن يعارض التطوير والتغيير، فهذا التطوير هو الذي يُحصّن أبناء المجتمع، وقيمه وعاداته وتقاليده الراقية الرائعة، تلك التي تشكل ضوابط سلوك الأبناء من الانحراف والتطرف والتهور والتدهور، والفوضى والعشوائية والانحطاط، فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
فتطوير المناهج يؤدي إلى بناء شخصيات متفاعلةمع تغيرات العصر بكل إيجابية، لا عابثة بأدواته المفتقرة للمضامين الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية. فإن كان من المناهج عكس ذلك، عندها يكون هذاتأطيراً (Indoctrination) لا تطويراً، تأطير أحادي التوجه والتوجيه، أحادي الاعتقاد والاتباع لمعتقدات وآراء وأفكار ومفهومات غريبة عن الثقافة الأصلية الأصيلة، أوسطحيةضيقة،تبني شخصيات جيل ضحلة هزيلة مفرغة من الوجدان النابض بالعزة والكرامة، هينة النفس، ضعيفة الحجة، شحيحة الفكر الساطع بالآدب والثقافة، أو شخصيات هشة سهلة الانجراف والانحراف،همها كلاسيكو الأرض، وصرعات الألبسة وقصات الشعر، والإصدارات الحديثة من الآيفونوالجلاكسي وغيرها ، وجلسات الأرجيلةلنور الفجر على أنغام: خذني بحنانك خذني؟؟!!!!!!.. جيل لا يعرف الحدود ولا القيود، ولا يعرف الصديق من العدو اللدود، ولا يعرف القريب من الغريب، ولا يعرف الماضي من الحاضر. جيل تبدلتقلوبهم بغير القلوب، وجلودهم بغير الجلود.إن ما تغرسه المناهج في مكنونات الشخصية من ثوابت، وفي مكوناتها من فكر ومعارف لا تستطيع أعتى قوى الأرض زحزحتها أو تحريكها أو التأثير فيها بجرها إلى غير مجرتها الحقيقية. فالكل مع التأطير الذي يراعي الأصالة والعراقة والتاريخوالقيمويرعاها، ويتقبل المعاصرة والتكنولوجيا ويتعايش معها بكل ثبات واقتدار من غير ضرر بالأصول والثوابت ولا ضرار.فخطورة العبث في المناهج بحجة التطوير في أي بقعة من الأرض كخطورة عملية قلب مفتوح لرجل انخفض ضغطه، وارتفعت حرارته، وأصيب بفشل كلوي، مع نزيف حاد في الدماغ.....
حفظ الله الأوطان من مرضىالنفوس، ومشوهي العقول، ومن كل متربص متخلف مجنون ومهووس، لا يعرف الحق والحقيقة من الخبيث والمدسوس، ولا يعرف العلا من الدنا... وحمى الله الأجيال من كل انجراف وانحراف....... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
*جامعة اليرموك




  • 1 طالب علم 27-11-2016 | 01:52 PM

    بارك الله في علمكم أستاذي القدير ورفع شأنكم .. قد أجدت وأوجزت .. نفعنا الله بعلمك .. ولا حرمنا هذه الأنامل الذهبية التي تكتب وكأنها تعزف أنغاما راقية بانسيابية ملفتة ..
    أؤيد أفكارك بحرفيتها دكتوري

  • 2 الاستاذ الدكتور نواف موسى شطناوي 27-11-2016 | 04:30 PM

    كلام جميل...وصحيح عزيزي الاستاذ الدكتور سميح..ما نشاهده وللاسف من مخرجات للنظام التعليمي( مدخلات النظام الجامعي)..غير سارة..


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :