facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





حكايا شتوية ..


احمد حسن الزعبي
13-12-2016 12:45 AM

ضوء «البنّورة» كان كافياً لإضاءة المشهد، لهب يرقص في جوف الشباك المرتفع ويكبّر الرؤوس البارزة من فراشها، أغطية تحمل رقعاً مختلفاً والواناً متعدّدة ، قصّيب السقف عسليّ اللون يميل الى الحمرة مثل الكعك الملذّع ، أما الدفء المشعّ من صوبة البواري المطفأة قبل النوم يعاد تدويره بانفاس الأولاد كطاقة متجدّدة ، الجدران المدهونة بالشيد الأزرق متعرّقة بعد جولة زفير وفيرة في سهرة قصيرة وبعض البقع المقشورة في الحائط تعطي أشكال حيوانات وغيوم وتفتح دروباً للخيال، ما ان تبدأ أمي بتمتمات خفيفة يخرقها حرف «السين» الواضح حتى نعرف ان المعوذات تمت قراءتها كاملة ووصلت الى سورة الناس ..وبعد ان تمسح وجهها بقراءة الفاتحة ونراها تدوزن اللحاف على مقاس الفرشة بما تيسر لنا من ضوء، نرجوها أن «تسولف لنا سولافة»، ولعل أقربنا اليها بالفراش كان أكثرنا اقناعا والحاحاً .. لكنها كانت تسوق نفس الأسباب كل يوم بأنها لا تحفظ شيئاً، فنزيد إصرارا من جديد ، فتتحجج بأن الوقت تأخر ولا بد من النوم باكراً، فنلتصق بها راجين طامعين بحكاية قديمة نعيد استماعها من باب التسلية والبحث عن تفاصيل سقطت نعاساً ذات رواية ..أخيراً يشفع لنا صوت الريح الذي يهزّ النافذة الشمالية او الرعد الذي يدبّ غرباً..فتقول : «اللهم صل على سيدنا محمد»..»خنيفسة ولا أبو الفول ولا نص نصيص»..فنختار الأقدم من بين الخيارات القليلة..تبتسم ابتسامة الرضا عن ذكاء الاختيار فنلمح سن الذهب في عتمة الوقت المسروق...الحكايا الشتوية أجراس النعاس التي تستجلب ثقل الجفون بصوت هادئ وتسلسل عبقري في القص، كنت اتخيل أن في حنجرة امي كبّة صوف وحفنة حكايا تحيكها بتروٍ واستخدام متقن للكلمات ونهج فريد في السرد، ترفع الصوت قليلاً، عندما تغفو العيون كفتيلة السراج حتى تشدّنا الى النهاية ، تندهش عند الدهشة، تحزن عند الحزن ، واذا ما ارادت تنويمنا، فقط تمشّي بطل القصة طويلاً في أرض الله كأن تقول « وظله يمشي يمشي يمشي يمشي يمشي»...حتى ننام ، كل ذلك دون ان ترفع يدها او تستخدم جوارحها لشد الانتباه او التنويم...يخفت الصوت قليلاً قليلاً...حتى ينام كل الجمهور، عندها توازن رؤوسنا على الوسائد..وتغطي ظهورنا المكشوفة وتعيد ترسيم حدود الفرشات..وتنام على جنبها الذي فيه ترانا جميعاً أمام عينيها...

ياه لو أعرف مصير أبطال حكايات بيتنا الغربي..»ابو الفول ، وخنيفسة، ونص نصيص، وغيرهم»..هل فعلاً ما زالوا على قيد الحياة او على قيد الحكاية...!!

أحاول أحياناً ان أروي لأولادي حكايات أمي فلا انجح ، أقطعها من منتصفها وأعتذر ..فسحر القصة كان مرهوناً بصوتها لا بالحدّوثة نفسها ..

الحكايا الشتوية هي الحكايا الوحيدة التي تموت عندما يموت راويها..

الراي




  • 1 عبد الله محمود 13-12-2016 | 01:07 AM

    أجدت وأفدت ..

  • 2 محمد 13-12-2016 | 08:12 AM

    رحمها الله واموات المسلمين جميعا

  • 3 الجدوده 13-12-2016 | 06:16 PM

    الباطوس اللي ورى الحيطان محل ما كنا نلعب الدواحل

  • 4 حسن 13-12-2016 | 06:50 PM

    مقال وخيال رائعين وتشبيهات رائعة اعادت لي ذكريات الطفولة الدافئة

  • 5 امجد زيد العمري 13-12-2016 | 08:49 PM

    رحم الله كرمه العلي واسكنها الفردوس الاعلى والبقيه في عمرك الطويل ايها المبدع

  • 6 بدوية من الجنوب 13-12-2016 | 09:39 PM

    من اروع ماقرات....الحكايا الشتوية هي الحكايا الوحيدة التي تموت عندما يموت راويها. - شكرا ايها الكاتب المبدع

  • 7 عامر عبدالحليم قطيشات 13-12-2016 | 11:46 PM

    كلام جميل ورائع الا ليت الزمان يعود يوما" ذكرتنا بالايام الحلوة ما اروعك


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :