facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





هذه مدينة بيضاء,, هذه مدينة لا أحبها ..


سامح المحاريق
21-04-2017 02:53 PM

للمرة الثانية في جنيف الأجمل بين عشرات المدن التي زرتها، والأكثر إثارة للملل واستدعاء لكل الأسئلة التي تلتهم الفرد بعبثيتها وخوائها، الشوارع الجميلة تمتد مثل الكوابيس التي تبدو دون نهاية، والأشجار كمشانق لمنتحرين لم يتمكنوا من تعداد جميع خيباتهم وهم يتدلون للموت، البحيرة الزرقاء تحتضن تنيناً سيظهر في وقت ما، لا بد وأنه يشعر بالضجر في وحدته وينتظر لحظة الدينونة من أجل أن يبدأ لعبة الدمار، هذه المدينة المرعبة والجميلة شهدت ولادة رواية فرانكشتاين ومسخه المتمرد التي كتبتها ماري شيلي وبالقطع كان لتأثير المدينة عليها دوره في خلق ذلك العالم الكابوسي بامتياز، وفي هذه المدينة وقعت أحداث الجزء الثالث والأخير من ثلاثية الألوان (الأحمر) لكيشلوفسكي وفيه تقع عارضة الأزياء الصغيرة في فخاخ الغموض لمتقاعد يتجسس على الآخرين ويتقاطع معهما ذلك الشاب المطعون في عشق غرائبي ومبهم يتطابق في بعض تفاصيله بمقدمات ذلك الرجل الذي يبدو مثل إله غارق في الضجر وهو يتتبع المكالمات الكثيرة من بيته الذي مثل كل شيء في جنيف يتخذ صورة الجمال الكابوسي .


هذه المدينة كانت أيضاً مسقط رأس جان جاك روسو وكغيرها من المدن في حياته شهدت فصولاً مخزية من سيرته الذاتية التي قدمها في الاعترافات، وفيها أيضاً اصطدم فولتير بمحرماتها ذات الطبيعة السرية والماسونية ليتركها إلى بلدة غير بعيدة تصبح مقصداً في غضون سنوات لمعظم مثقفي أوروبا وانتهازييها.


في الزيارة الأولى كنت أحمل معي قراءات لجيل البيت الأمريكي، كنت قرأت عواء لآلان جينسبرغ وما كنت وقتها انتقلت لقراءة قادش، وأرى أن قادش الأقل شهرة تفوق قصيدة عواء بما لا يقاس، ولكن على كل فأي منهما يمكن أن تكون الثالثة في الشعر الأمريكي بجانب الأرض الخراب (الخربة) لإليوت وأغنية لنفسي لوالت ويتمان، وفي هذه الزيارة حملت كل ما يمكن أن أتأمله من فوات في حياتي، حملت كل السبخات الملحية البيضاء التي كانت تضايقني بينما تتقدم الحافلة في الصحراء، كانت تستفزني ببياضها المرير ومواتها العظيم، ومع أن الموت يرتبط باللون الأسود إلا أن الأبدية بيضاء، كذلك كان يقول محمود درويش، وكم تصبح فكرة الأبدية في حد ذاتها مرعبة إذا ما كانت تعني الحضور الدائم لما يتوجب نسيانه أو تناسيه، الأبدية ليست خلاصاً وكل ما يمكن أن يكون مدهشاً ومريحاً هو أن ينتهي كل شيء دفعةً واحدةً وللأبد وأن نلتحق غباراً بالفضاء دونما فرصة أخرى، لذلك فالملائكة بيضاء وكل ما هو مرعب في حقيقته أبيض، وحتى السواد في عمقه الأخير ينفتح بالضرورة على هوة بيضاء.

 

 




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :