facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





ليلة الأواني غير المستطرقة!


حلمي الأسمر
28-04-2017 03:17 AM

كان البيت في سنتي الفتى الأوليين، هو عالمه الصغير، وكان يُهيأ له إن كل البيوت تشبه بيته، ولم يكن يعرف أن ثمة عوالم أخرى تقع خارجه.. كانت الغرفة الكبيرة مخصصة لنوم الفتيه الصغار: الفتى وشقيقيه الصغيرين وشقيقتيه والشقيقة الكبرى.. كان الجميع يتمددون على حشيات من تلك المصنوعة من بقايا الملابس، فيما كان الوالد ينام في أقصى الغرفة قرب «النملية» قطعة الأثاث الأكثر أهمية في البيت كله، حيث تضم ثروة الأم من أدوات المطبخ من صحون وغيرها ما لا يستعمل إلا في المناسبات الكبرى، حين يأتي ضيف مثلا، وكانت الأم تنام قرب الباب..
وهذا يعني أن الغرفة البالغة مساحتها ستة عشر مترا مربعا تقريبا تضم ثمانية أفراد فيما كان الشقيقان الأكبران ينامان في الغرفة الثانية المسقوفة بألواح الزينكو..
وكان الفتى يحار كيف تسنى لوالده إنجاب كل هذا العدد من الأبناء في ظل هذه الظروف ولم يكن ينتبه إلى شيء يتعلق بقصة الإنجاب، إلا إلى صوت بابور الكاز وهو يهدر فجرا وذلك السخان الكبير يعلوه وهو مترع بماء الحمام.. إلا أن شيئا غير هذا لم يطلع عليه الفتى..!
كان صيف المخيم حارا.. ولكنه أكثر رحمة من شتائه.. فقد كان سقف غرفة الزينكو يتمتع بقدر كبير من الثقوب التي تسمح لقطرات المطر بالدلف وكان يتعين على الأم ان تجمع هذه القطرات في أوان مختلفة حتى لا تبتل الغرفة ويذكر الفتى أن المطر الساحلي كان يستمر أحيانا أياما متواصلة.. ولكم كانت الأم تشقى بهذا المطر حيث تغمر المياه ساحة المنزل وتهدد الغرف بالغرق، ولكم رأى الفتى والدته وهي تخرج تحت المطر الشديد لفتح مصرف الماء للتخلص مما يتجمع في ساحة البيت.. !!
عند هذا الحد، سمع الفتى الذي كان يبحلق في سقف الزينكو جلبة في الخارج، لم يكن موقنا مما يحدث، لكنه توقعه، خرج من الغرفة، ورغم العتمة الشديدة التي كانت تلف المكان، إلا أن الأضواء البعيدة القادمة من الشارع الذي يفصل المخيم عن المدينة، أظهرت له شبح الوالدة وهي تجهد في فتح مصرف الماء، من الجهة المقابلة للباب، كي تتخلص من ماء المطر الذي بدأ يكون بحيرة صغيرة في باحة البيت، كانت الوالدة مبللة بالكامل، انحنى كي يساعدها في فتح المصرف اللعين، اعتدلت قامتها، رأت وجهه الدامع ذا العينين الحمراوين..
سألته:
- لسه ما نمت يمه.
- لسه يمه!
احتضنها، ومسح بيده حبات الماء عن جبينها، وحين أضاء البرق وجهها المتعب، لا يدري ما الذي حصل على وجه التحديد، لكنه رأى في لمحة سريعة كل الحكايات التي كانت تحكيها الوالدة عن سنوات الشقاء والتعب منذ تهدم البيت الأول على رؤوس الأسرة الصغيرة في قريتهم الوادعة على شاطىء المتوسط، ورحلتها الطويلة إلى هذا المخيم!
عاد الفتى وأمه وقد التصقت ملابسهما بجسديهما الناحلين، كان المؤذن يدعو إلى صلاة الفجر، صلى الفتى صلاته، وعاد إلى حيث ينام بين الأواني غير المستطرقة، التي تجمع حبات المطر المتساقطة من سقف الزينكو، بعد أن استقرت حبات المطر داخل عظامه وهو يحاول مساعدة أمه في فتح مصرف الماء، فلم يعد يدري وقد أخذ النعاس منه كل مأخذ، إن كانت حبات المطر تتكتك داخل الأواني أم داخله!

] صفحة من سيرة غير ذاتية

الدستور




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :