facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





انتفاضة الأسرى وانتفاضة شعبهم


إبراهيم نصر الله
04-05-2017 02:06 PM

لا يكتب المرء، اليوم، فقط، عن أسرى في إضراب حريتهم وكرامتهم، حريتنا وكرامتنا، فهؤلاء تحرروا، تحرروا حين اختاروا الجهة التي اختاروها طريقاً لأرواحهم، وطريقاً لضميرهم، وحريتهم وحرية شعبهم، وتحرروا حين استطاعوا أن يتمسكوا بأعمق وأغلى ما في الإنسان من مبادئ، حتى وهم في الأسر.

لم يكن نضال الأسرى جديداً، فمنذ أن وطأت دبابات الاحتلال أرض فلسطين، وهناك التحدي، وهناك الإصرار على المواصلة، وهناك قيمة كبرى لم يقبلوا، وشعبهم، التنازل عنها، هي قيمة الحرية.
ومنذ عام 1967، بعد حرب حزيران / يونيو، راح الاحتلال يزجّ بالمناضلين في سجونه، لكنه لم يدرك أن قمعه لن يُجدي، وقوته لن تُجدي، ورهانه على انهيار خيولنا لن يجدي.

رُبْع الشعب الفلسطيني دخل سجون العنصرية الصهيونية، واحد من بين كل أربعة على الأقل، وكل الشعب الفلسطيني أعتُقِل خلف الحواجز، أمام الجسور، وفي الاجتياحات، وفي حصار يتلوه حصار، سُجن الآباء في طريقهم إلى العمل، وسُجن التلاميذ في طريقهم إلى المدارس، وسُجنت الأمهات في خوفهن على كل من يغادر عتبة البيت، لأن عدم العودة أقسى الاحتمالات، وسُجن الأطفال في أرحام أمهاتهم، ومات منهم كثيرون لأن جنود النازية الجديدة لم يسمحوا لهم بالوصول إلى المستشفيات.

لم يكن السجن هو ذلك الحيز الذي يُزج فيه السجناء في الزنازين أو سواها، وحسب، بل كان، أيضاً، كل بقعة من فلسطين، يقبض الاحتلال الصهيوني بكل أسلحته على عنق أصحابها، وإن كانت غزة، منذ زمن، هي النموذج الأوضح، لأكبر وأقبح سجون التاريخ، إلا أن الضفة لم تتذوق طعم الحرية إلا عبر مكعبات كمكعبات مرق الدجاج، بعد انسحاب الصهاينة إلى أطراف بعض مدنها وقراها، واحتفاظهم بحق الغطرسة في اجتياح أي بقعة فيها، ليلا نهاراً، وليس هناك إنسان واحد فيها يملك اليقين في أن قوات الاحتلال بعيدة عن غرفة نومه، إذ، ولألف سبب، قد يفتح عينيه في أي لحظة، ويجد الجنود الصهاينة فوق رأسه، يعتقلونه أو يعتقلون أبناءه وبناته وزوجته، أو يغتالون من يريدون من أهل بيته.

لا يختلف أي بيت عن أي زنزانة، فكما يقتحمون غرف السجن بحثاً عن كتاب أو ملعقة ملح، يقتحمون البيوت، كل البيوت، حتى تلك البيوت والمكاتب التي تظن أنها محمية بتواطئها، تلك التي لا يدخلونها ببساطيرهم، ولكنهم يدخلونها بربطات عنقهم، ثم بأجهزة تنصتهم وكاميراتهم.

في السجن، عانى السجناء طويلاً، ولم يزالوا من (العصافير)، وهؤلاء هم الخونة، عيون الاستخبارات الصهيونية على السجناء، وآذان هذه الاستخبارات وأفاعيها، وفي الخارج، لا يقل الأمر سوءاً، فالعصافير، أو الغربان، موجودون، وليس عليهم أن يتخفّوا، كما يتخفى أشباههم في السجون، فهنا، وعبر الاتفاقات الأمنية، يعرفهم كل السجناء في السجن الكبير، وهؤلاء، يفعلون ما على الاحتلال أن يفعله، متى شاء هذا الاحتلال، وأن يختفوا من الطرقات تماماً حين يداهم الاحتلال المدن بحثاً عن واحد من أبطال هذا الشعب، كما حدث مع الشهيد باسل الأعرج، حيث صمتت هذه العصافير، هذه الغربان، واختبأت إلى أن توقف إطلاق النار، وأكملت قوات الاحتلال مهمتها.

مأزق أسرانا أنهم في سجن داخل سجن، ومأزق الشعب الفلسطيني أنه موزع بين سجن أكبر وسجن أصغر، وفي السجنين ثمة احتلال، وعصافير وغربان.

لم يتردد السيد الرئيس أن يقول :(الأمن عندنا يدخل المدارس، يفتش المدارس، شنط الأولاد، لمعرفة ما إذا كان فيها سكاكين أم لا، في مدرسة واحدة وجدنا سبعين ولداً وبنتاً يحملون السكاكين وشلّحناهم إياها. أنا بدّي أتعامل مع الإسرائيليين، وهذا اتفاق بيني وبينهم وأنا لا أخجل من هذا، لازم يكون بيننا نوع من التعاون الأمني، وأنا أتحدى إذا كان لديه (الكيان الصهيوني) أي معلومة (أمنية (فأنا سأقوم بها (أنفذها)، وإذا لم أقم بها فليأت هو وينفذها، صح؟!! لا أن يقول لي إن لديه معلومة وهو سيقوم بالتنفيذ، فما الذي أفعله أنا، هنا؟) وهنا ينتهي كلام الرئيس.
وهنا لا يستطيع المرء أن يُعلّق، فالخيال لا يستطيع الوصول إلى هذا المستوى من الرعب. مداهمات الصهاينة لزنازين الأسرى في سجنهم الصغير، تقابلها صورة أشد سواداً لمداهمات السلطة لمدارس أبناء هذا الشعب، ومخابئ كل من يتمرد، وهي تتعامل مع الاحتلال كسيد ليس عليه سوى أن يوجّه أوامره.

هكذا، يتسع معنى إضراب الأسرى في زنازينهم، ليأخذ معناه الأبعد، ضد همجية الاحتلال، و (سلطة وطنية) أيضا، سلطة لطالما أبقت قضية الأسرى في أدنى مراتب مطالبها، واكتفت بتلك الأعداد الصغيرة التي تمّ إطلاق سراحها، بعد كل اتفاق سلام، ومعظم من خرجوا كانوا على وشك إنهاء مدة السجن، وبعضهم، لحقت بهم قوات الاحتلال واعتقلتهم ثانية، برعاية صمت السلطة نفسها.

وهكذا، يتسع أيضاً معنى إضراب الشعب الفلسطيني الذي لبّى نداء الأسرى، وأضرب، نصرة لهم، فإضراب هذا الشعب هو ضد ممارسات الصهيونية العنصرية التي تحرم بناته وأبناءه في أسْرهم من أبسط الحقوق الإنسانية، التي ترى في عناق الأسير لابنه أو ابنته أو زوجته أو أمه أو أخيه أو أبيه أو أخته، خطراً يهدد وجود الدولة، وإضراب هذا الشعب هو ضد تلك الحالة المزرية التي تم فيها تجريد هذا الشعب من أجمل صوره، التي حفرها بنضاله الطويل على جدران هذا الكون، كواحد من أجمل شعوب العالم المقاتلة من أجل حريتها.

في حديثها الواضح قالت الدكتورة ريما خلف في مقابلة رائعة مع (الجزيرة)، إن الجرائم العنصرية لا تسقط بالتقادم، وأن كل من في هذا الكيان من مسؤولين يمكن أن يلاحقهم القانون الدولي مستقبلاً، أفراداً ومؤسسات، لكن أوضح ما قالته هو أن كل من يتعامل مع أي كيان عنصري بأي طريقة من الطرق تنطبق عليه أحكام المطاردة القانونية، أفراداً أو مؤسسات أو دولاً. هذا الشعب الذي يقاتل منذ أكثر من مئة عام دفاعاً عن حقه في وطنه، وحقه في الحياة، القتال الذي يقرّه القانون الدولي، لا يستطيع أن يموت، حتى وهو يرى إمبراطوريات كثيرة تنهار ودولاً تتمزق وحروباً لا عدد لها، تُشنُّ عليه وعلى سواه. ولذا فإن على كل من يعتقد أن هذه الدولة الفاشية طوق نجاته، أن يفكر كثيراً، كي لا يكون مطلوباً للعدالة ذاتها، في زمن، لا بدّ قادم.

القدس العربي




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :