facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





الكذب


م. أشرف غسان مقطش
13-09-2017 09:52 AM

أول كذبة في التاريخ تلك التي انطلت على حواء كما تذكر التوراة أو على آدم وحواء كما يذكر القرآن. وهي الكذبة التي لم يكن الإنسان فاعلها بل كان مفعولا بها فصدقها فأدت إلى طرده من الجنة إلى الأرض. فالفاعل الصريح لتلك الكذبة وفقا للتوراة: الحية 'فقالت الحية للمرأة لن تموتا'، بينما الفاعل الصريح لها حسب القرآن: الشيطان 'فوسوس لهما الشيطان'. وأما المكذوب عليه وفقا لكل من التوراة والقرآن فهو الإنسان!

وأول إنسان كذب هو (قاين/قابيل) عندما أنكر لربه أنه يعلم أين أخوه هابيل الذي قتله 'قال لا أعلم ألعلي حارس لأخي' كما تقص التوراة.

والنبي الذي كذب هو (أبرام/إبراهيم) حينما ادعى لفرعون أن ساراي أخته بينما هي زوجته 'لِم لَم تعلمني أنها امرأتك' كما تقول التوراة. أما في حديث الشفاعة الطويل الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة فإبراهيم كذب ثلاث مرات 'وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات'.

والكذبة التاريخية التي سقطت من رحم الحسد كانت كذبة إخوة يوسف على أبيهم يعقوب في شأن أخيهم يوسف 'وبعثوا بالقميص الموشى فأنفذوه إلى أبيهم' كما تقص التوراة. 'وجاءوا على قميصه بدم كذب' كما يروي القرآن.

وفي الوصايا العشر جاء النهي للإنسان عن شهادة الزور أقل أهمية من النهي عن الحلفان باسم الله باطلا والقتل والزنى والسرقة، لكنه جاء أكثر أهمية من النهي عن شهوة امرأة قريبه وشهوة مقتنى غيره. ولعلني لا أجانب الصواب إذا قلت أن كل شهادة زور كذب لكن ليس كل كذب شهادة زور.

وإذا تصفحت الأناجيل الأربعة، لن تجد نصا صريحا على لسان ابن مريم ينهي فيه نهيا قاطعا عن الكذب.

والكذبة التاريخية التي جاءت نتاج تلاقح الضعف والخوف أمشاج كانت عندما كذب بطرس -أحد (تلاميذ/حواريي) ابن مريم- ثلاث مرات حينما أنكر في كل مرة أنه يعرف ابن مريم وذلك أثناء محاكمة الأخير.

ورغم أن الكذب محرم في الإسلام 'ولا تقف ما ليس لك به علم' كما نص القرآن إلا أنه مباح في أربع حالات، ثلاث منها كما هو مبين في حديث أم كلثوم بنت عقبة الذي أخرجه مسلم في الصحيح؛ إذ قالت: (ما سمعت رسول الله ‏‏ يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث كان رسول الله يقول: لا أعده كاذبا الرجل يصلح بين الناس يقول القول ولا يريد به إلا الإصلاح والرجل يقول في الحرب والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها). وأما الحالة الرابعة فهي التقية، ولعلني لا أخطئ القول إذا قلت: ليس كل كذب تقية، لكن كل تقية كذب.

وأغرب ما في 'الكذب' أنه يفاجئك ب'الحقيقة' عاجلا أم آجلا! وكلما بالغ الإنسان في كذبه، ازدادت شدة المفاجأة حتى تكاد أن تصير صدمة صادمة للإنسان لا راد لها! وذلك ما كانت عليه كذبة أحمد سعيد.

وأحمد سعيد هذا بالغ في كذبه على الجماهير العربية عبر 'ميكروفون' إذاعة صوت العرب عندما ادعى أن مصر اسقطت ألف طائرة للعدو الصهيوني (...) مع حلول المساء في الخامس من حزيران عام 1967! لا بل أنه اذاع أن الجيش المصري وصل إلى تل أبيب! ولك أن تتأمل عزيزي القارئ في الصدمة التي سببتها هذه الكذبة للمكذوب عليهم من أبناء عدنان وغسان!

وفي الزواج إذا كذب أحد الزوجين على الآخر، فإن الزواج برأيي يبدأ بالتصدع ثم بالتشقق فالانهيار برسم الطلاق! فالزواج القائم على أساس الصدق من وجهة نظري جبل لا ينهار مهما الزمن دار! والخيانة الزوجية قد توقف قطار الزواج لكن الكذب يدمر هذا القطار!

والكذبة الوحيدة التي لا ينهار أمامها الزواج رغم هول الصدمة التي تحدثها وحجم الألم الذي تسببه هي الحمل الكاذب! وهي الكذبة الوحيدة بالمناسبة التي لا يوجد لها فاعل صريح!

وفي السياسة، وصف أحدهم الدبلوماسي بأنه رجل شريف يوفد إلى الخارج ليكذب من أجل بلاده!

وفي الحرب النفسية فإن الأكاذيب والإشاعات هي أسلحة الدمار الشامل! إستمع إلى تشرشل وهو يقول لستالين في طهران في نوفمبر سنة 1943: 'إن الحقيقة ثمينة جدا لدرجة أنه من الضروري أن تحشد لها جيشا من الأكاذيب لحمايتها!'.

وإذا كان 'الكذب ملح الرجال'، فهو بهارات المرأة! فتارة تستخدمه كحذاء ذي كعب عال لتخدع الرجل بأنها طويلة، وطورا تستخدمه كمساحيق جمال على وجهها لتخدع الرجل بأنها جميلة، والسمراء من النسوة تستخدمه كمبيض للوجه لتخدع الرجل بأنها بيضاء البشرة، ...، إلخ!

ورغم أن المثل يقول: 'الكذب حبله قصير' لأن 'الكذب إن كان ينجي فالصدق أنجى' إلا أن الإنسان لا ينفك يرمي طوق النجاة لنفسه من مواقف كثيرة بحبل من الكذب! فكيف للإنسان أن يعرف فيما إذا كان هذا الحبل في هذا الموقف أو ذاك مصنوعا من الصدق أم من الكذب؟

فكر الإنسان في ذلك فلمعت في ذهنه فكرة حينما علم أن بؤبؤ عين الكاذب تتسع، وأن ضغطه الدموي لا يكون طبيعيا، وأن دقات قلبه تتسارع، وأنه يتصبب عرقا وهو يتفنن بأفانين الكذب ويتلاعب بأحابيل التضليل، فصير الإنسان الفكرة جهازا لكشف الكذب بناء على تلك الحيثيات.

ومبدأ عمل هذا الجهاز أنه يقيس ضغط الدم، ويحصي عدد نبضات القلب في الدقيقة الواحدة، ومعدل التنفس، وكمية العرق أثناء التحقيق مع الإنسان، وبالمقارنة مع المعدلات الطبيعية لها يقرر الإنسان فيما إذا كان الخاضع للتحقيق صادقا أم كاذبا.

لكن الإنسان ظن بقراءات هذا الجهاز فيما إذا كانت صحيحة أم خاطئة، واختلف في ذلك مع غيره ممن لا يظن فيها قيد أنملة، فصار الجهاز محل اختلاف بين الناس في شدة مصداقيته وموضع شك في مدى صحة نتائجه، أي أن الجهاز نفسه صار متهما بالكذب! وربما يفكر الإنسان في إخضاع هذا الجهاز لاختبار كشف الكذب يقوم به 'روبوت' مصمم ومبرمج لهذه الغاية! وما أدرانا؟

وفي الأول من إبريل من كل عام، يحتفل الكذب بعيد حريته من أغلال الصدق! فمعظم لا بل غالبية شعوب العالم تستبيح الكذب في هذا اليوم أيما استباحة ما عدا الشعبين الإسباني والألماني. والسبب عند الإسبان أن عيدا دينيا يصادف هذا اليوم، أما عند الألمان فعيد ميلاد مستشارهم الحديدي بسمارك يصادف هذا اليوم. والطريف في الأمر أن كاتب هذه السطور ولد في الأول من إبريل، لكن ولكيلا يعيش حياته كذابا اختير الحادي والثلاثين من آذار عيدا لميلاده!

وبعد، هل الإنسان كذاب بطبعه أم أن الكذب مكتسب عنده؟ لا أدري، أتدري أنت؟

مهما كانت الإجابة على السؤال أعلاه فلن تمنعنا من وصف أحدهم إذا بالغ في الكذب بأنه أكذب من مسيلمة!




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :