facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





(الفساد في المجتمع: أسبابه، ومظاهره )


د. عمر مقدادي
11-10-2017 01:14 PM

الفساد ظاهرة قديمة في الأمم، ولا يكاد يخلو عصر من العصور من هذه الظاهرة وهو سبب كل تخلف يصيب الأمة، وسبب لكل ما يتلوه من أمراض تطيح بأحلام أبناء الأمة وشبابها، وربما يكون الفساد أكبر المشكلات العالمية التي تجمع المؤسسات المحلية والدولية على اعتبارها العقبة الرئيسة أمام الإصلاح والتنمية والاستثمار الصحيح ، ورغم أن معظم الحكومات تعلن أن برنامجها هو مكافحة الفساد، إلا أن الفساد يبقى عمليًا غائبًا عن برامج الحكومات والمؤسسات المختلفة ذلك أن القضاء على الفساد ليس قرارا يتخذ فحسب، ولكنه منظومة من الأعمال والإصلاحات وإعادة بناء لأنظمة المجتمعات والدول في المجالات التعليمية والاجتماعية والإدارية والوطنية، والفساد آفة خطيرة استشرى لهيبها، وانتشر انتشار النار في الهشيم، وتفشَّى سرطانها في أعصاب الحياة المجتمعية؛ فهو يعمل على تقويض أركان النهوض والتنمية في الدول، ويسهم في تراجع الدول والمجتمعات على سلم مؤشر التنمية البشرية، سواء على مستوى الاقتصاد أو التعليم أو الصحة أو الإدارة وغيرها، فأينما وجد فساد وجد التخلف، والعكس صحيح، ويعد ارتفاع مؤشر الفساد في أي مجتمع دالة على تدني الرقابة الحكومية، وضعف القانون، وغياب التشريعات، وقد ينشط الفساد نتيجة لغياب المعايير والأسس التنظيمية والقانونية وتطبيقها، وسيادة مبدأ الفردية بما يؤدي إلى استغلال الوظيفة العامة وموارد الدولة من أجل تحقيق مصالح فردية أو فئة أو مجموعة على حساب الدور الأساسي للجهاز الحكومي بما يلغي مبدأ العدالة، وتكافؤ الفرص، والكفاءة.
للفساد تعريفات كثيرة، تشترك في وصفه بأنه إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة في تحقيق كسب خاص، ولعل أبرز أسباب الفساد ومظاهره تتبين في المجالات الآتية:


أولاً: المجال القيمي والأخلاقي:
- إن الفساد العقدي أبرز مظاهر هذا المجال وفساد الاعتقاد هو أساس كل فساد، فإن سعي الإنسان تبعٌ لمعتقده؛ فإذا كان المعتقد فاسدًا كان السعي فاسدًا، وإذا كان المعتقد صحيحًا صالحًا صلح السعي، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 11، 12].
- ضعف الإيمان والوازع الديني، فالنفس الخاوية من الإيمان، التي لا تخشى الله ولا رسوله، لا تبالى بارتكاب المحرمات، ولا تخشى العقاب الرباني على الفساد في الأرض، ولا تشعر بالضيق أو بالهم الذى يشعر به المؤمن في حال اقترافه الفساد، بل يزين له الشيطان سوء عمله، ويسمى الأسماء بغير مسمياتها ، وكذلك اتباع الهوى وانتشار الأخلاق الفاسدة، مثل الكذب، والنفاق، والرياء، والغلظة، وسوء الظن، وعدم الوفاء بالعهود، والعقود، وخيانة الأمانة والرشوة والمحسوبية والاحتيال.
- ترك خلق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذي يعدَ صمام أمان للمجتمع من الفساد، فإذا غاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فشا الفساد وانتشر في المجتمع.
- ضعف الدور التربوي للأسرة، فكثير من الأسر تركت الحبل على الغارب للأبناء والبنات فلم يتربوا على مراقبة لله تعالى، ولم يقوموا بدورهم ومسؤوليتهم.
- ضعف التوجيه والتربية وعدم ترشيد وسائل الإعلام، فكثير من القنوات ووسائل الإعلام لم تقم بدورها في مجالات التوجيه والإرشاد والتربية على الوجه المطلوب؛ فساهمت في هدم القيم والمبادئ .
ثانيًا: المجال الاقتصادي
- ويضم مجموعة من الأسباب والمظاهر مثل: البطالة، وعدم تنظيم سوق العمل وفرص التشغيل، وقلة الأمانة والإخلاص، وعدم إعطاء الأجير أجره بما يكافئ الجهد، والاختلاس والتزوير، وانتشار الكذب والخيانة بين الناس، والحرص على الدنيا.
- ارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب ونقص فرص العمل وما يشكله ذلك من ضغط على الدخول والأجور وسلوك الأفراد في المجتمع.
- التفاوت الكبير في الأجور بين كبار الموظفين والعامة منهم في الدولة والمؤسسات المختلفة بشكل يثير الحنق والغضب لدى البسطاء.
- سياسة الخصخصة وتحويل القطاع العام إلى القطاع الخاص وما يرافق تلك العملية من مجاملات ومحاولات للحصول على أكبر قدر من المكاسب.
ثالثًا: المجال السياسي
- ضعف السلطتين القضائية والتشريعية وخضوعها للسلطة التنفيذية.
- ضعف الحريات، وتطبيق نظم وقوانين لا تتواءم وحاجات المجتمع وتشبث الطبقة التي تحكم بالسلطة وانتشار الفساد بشكل أفقي في المؤسسات العامة والخاصة.
- استخدام المال السياسي في العمليات الانتخابية.
- قوة ترابط وتكاتف الفاسدين والمفسدين ودقة تنظيمهم واتساع نطاقهم في المؤسسات المختلفة.
- ضعف المجتمع المدني وتهميش دور مؤسساته في التصدي ومواجهة الفساد.
رابعًا: المجال الاجتماعي
- انتشار المادية بين الناس وضعف السلوك الإيجابي والسَوي بين أفراد المجتمع، وتفكُّك عرى التكافل والتضامن الاجتماعي، وانتشار الأنانية والحقد والكراهية.
- شعور عامة الناس بأنهم غرباء أو مواطنون من الدرجة الثانية لأنهم لا يتمتعون بأبسط حقوقهم الآدمية في المأكل والمسكن والعلاج والخدمات.
- انتشار مظاهر الجهل ونقص المعرفة بالحقوق والواجبات والدور الوطني لكل مواطن .
وانتشار الواسطة والمحسوبية والمحاباة في الوظائف والمعاملات - تغليب علاقة النسب والقربى الواجبات والالتزامات الوطنية.
خامسًا: المجال الإداري والتشريعي
الفساد الإداري الذي يعبَر عنه بأنه 'سلوك بيروقراطي يستهدف تحقيق منافع ذاتية بطرق غير شرعية والتي تنتشر بعض مظاهره ومنها:
- ضعف الرقابة ومتابعة الأداء الوظيفي، وفي كثير من الاحيان يطال الفساد أجهزة الرقابة أيضًا،
- غياب التشريعات والأنظمة التي تكافح الفساد، أو وجود تشريعات قاصرة في تعريفها لمفهوم الفساد ورؤيتها الجزئية لوسائل محاربته.
- شعور الناس بأن القانون لا يطبق إلا على البسطاء منهم، بينما كبار الفاسدين لا يقترب أحد منهم وهم فوق القانون.
إن الفساد عمومًا ظاهرة مركبة ومعقدة، تشمل الاختلالات التي تمس الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقيمي والأخلاقي في المجتمع والذي يحتاج إلى تضافر الجهود لمعالجته والتخلص منه، ويبقى الفساد بشتى أطيافه أحد معاول الهدم التي تواجه عمليات التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ وعليه فإن أحسن وسيلة لمحاربة الفساد تتمثل في إعداد خطة استراتيجية وطنية شاملة بمشاركة واسعة من قطاعات المجتمع وأطيافه لإعادة العدل بمختلف صوره في المجتمع من القمة إلى القاعدة، ومن القاعدة إلى القمة، وإنهاء الظلم وأشكال الاستغلال في كل المجتمعات عن طريق ربط المسؤولية بالمحاسبة وتحديث التشريعات وتغليظ العقوبات لردع كل من تسول له نفسه ممارسة أي شكل أو مظهر من مظاهر الفساد في الدولة والمجتمع.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :