facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





هجوم على المنسف


المهندس مصطفى الواكد
10-03-2009 12:18 AM

من أشهر وأطيب الأكلات الأردنية التي لا تقاوم أو تمل مهما تكررت ، إلا أن طقوس هذه الأكلة قد فارقتها جميعا وتغيرت مكوناتها بعدما تغيرت الأحوال وتغير البشر ، حتى الجنسية الأردنية نزعت عنها ، فالجميد أصبح سوريا ولم يعد سلطيا أو كركيا واستبدل السمن البلقاوي بالدهن التركي والطباخ أصبح مصريا ، ولم يبق من المنسف إلا صورة كوم من الأرز المستورد في صينية واسعة مستوردة ، فرشت بخبز ( الشراك ) من مخبز لبناني تعلوه قطع من اللحم من شتى المنابت والأصول .
أيام زمان كانت مجرد النية لتحضير وجبة منسفية تعني دعوة الخالات والعمات وبعضا من الأقارب منذ الصباح الباكر ، فهذه عمة تخبز على الصاج ، وتلك خالة تمرس الجميد وأخرى تحمس القهوة وقد جلس إلى جوارها من يتفنن في عزف ألحان دقة المهباش ، الرجال منشغلون بإشعال النار لطهي اللحم واللبن ، وسط ما يفوح من روائح زكية من تلك العمليات ومكوناتها تعجز مختبرات العطور الفرنسية عن صنع مثيلها . لقد كان للمنسف طقوسا أهم عناوينها صلة الرحم والمودة بين الأقارب وليس كما اليوم مجرد أكلة نهجم عليها لنملأ البطون . أما بروتوكول تناول المنسف فتلك قصة أخرى حيث كنا نرى كبارنا كيف يلح أحدهم في تقديم الآخر على نفسه ، ولا تجد من يسارع للوقوف وحيدا متربعا على منسف كامل متغاضيا عن فسحة ممكنة إلى جوار ضيوف آخرين ، لتجد في النهاية جمعا متناسقا متناغما لا يحتاج فيه الشخص سوى حيز يستوعب وقفته بشكل جانبي يمد من خلاله يمناه ليأكل فقط مما والاه دون اعتداء على جار أو عبث بهيئة المنسف .
مسكين منسف اليوم ، فلا عمة ولا خالة تحضر أو تشارك ، وإن دعيت إحداهن ، بعد إذن الزوجة والأبناء ، جلست مجلس الغرباء تأتي بعد الضيوف وتغادر قبلهم ، القهوة تأتي غريبة غربة المنسف والأقارب ، لتقدمها أيادي لم تتعود تقديمها من قبل ، ثم لتأتي بعدها المناسف ، محمولة بما يشبه سيارة نقل للموتى تحمل جثثا مجهولة ، متخفية بورق القصدير خوفا ورهبة من سوء مصيرٍ ينتظرها على أيدٍ ستنغمس في أحشاء كل منها حد الرسغين لتعيث في خلقتها فسادا وبعثرة ، دون أن يغامر أصحاب تلك الأيادي بمنح الفرصة لمن يسبقهم للمنسف إن هم أضاعوا قليلا من الوقت بغسلها بعد أن حكت الرأس والأنف وتحت الإبط وجمعت من الجراثيم في جولات المصافحة ما لا يعلمه إلا الله . اليوم لا هدنة بين الضيوف والمناسف ولا انتظار لإشارة الهجوم من صاحب الدعوة فالكل جاهز للقضاء على أول منسف قبل أن ينزع القصدير عن الذي يليه .

mustafawaked@hotmail.com




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :