facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





الاشاعة والمواطن والدولة


المحامي جمال الخطاطبة
18-04-2018 06:08 PM

عايشت تجربة شخصية جميلة وذكية كانت بالنسبة لي دليل قاطعا على ان لا احكم على قول او ادعاء قبل ان اتيقن مدى صحة , ففي عام 1990م ابان حرب الخليج الناجمة عن احتلال العراق للكويت وبدء الحشود الاجنبية لتحريرها , كنت ابلغ من العمر ثلاثة عشر عاما , جاءنا معلم للتربية الاسلامية , يمتاز ببساطة تفكيره واسلوبه المقنع في طرح الفكرة.
كان الاشاعات وقتها في اوجها , وفاق بعضها العقل والمنطق, فادعى البعض انه رأى وجه فلان على سطح القمر, ومنهم من ادعى بوجود الاسلحة التي لا تقهر وامتلاك العراق للترسانة الكيماوية والنووية والمدافع العملاقه وغيرها الكثير , وكانت الناس تردد هذه المقولات بدافع عاطفي اكثر منه تحكيما للمنطق والعقل.

جاء المعلم احسن الله اليه اينما كان الى الصف لاعطاء الحصة المدرسية المقررة وقال: يا اعزائي بدي اعطيكم اليوم فكرة عن الاشاعة وتاثيرها على الناس وكيف يمكن ان تضر في المجتمع على جميع المستويات.

طلب المعلم من الطلاب التزام الصمت التام وقال: سوف اخبر الطالب في الدرج الاول (المقعد الاول) عبارة واريد ان ينقلها الى الطالب الذي بجانبه في اذنه ودون ان يسمعها احد وهكذا حتى تصل العبارة الى اخر طالب في الدرج المقابل, كان عدد الطلاب في الصف المدرسي يقارب 32 طالبا, وبعد ان قام المعلم باعطاء الطالب في الدرج الاول العبارة المكونة من بعض الكلمات في اذنه همسا, بدأ الطلاب يتناقلون هذه العبارة من واحد الى اخر حتى وصلت الى اخر طالب في الصف المدرسي.

طلب المعلم من اخر طالب وصلته المعلومة ان يحكيها للطلاب, فنهض الطالب وقال: وصلني ان احد الطلاب اعتدى على معلم في احد الصفوف وكسر يده وان مدير المدرسة عاقبه بالفصل من المدرسة وسلمه للشرطه.

ثم طلب المعلم من الطالب الاول الذي تلقى العبارة منه مباشرة ان يقف ويخبر الطلاب ما هي الجملة التي تلقها, نهض الطالب الاول وقال: ابلغني الاستاذ ان الطالب الذي لا يلتزم بتعليمات استاذه بالحصة سيعاقب من المدير.

هذه التجربة التي ذكرتها باتت تتكرر في حياتنا اليومية وعلى جميع الاصعدة، حتى شملت اثارها السلبية الشعب والدولة ومؤسساتها, ولا شك ان الاعلام الذي يبحث عن الخبر الطننان دون الاهتمام بجوهره ومضمونه وحقيقته ساهم في ان يكون للاشاعة حيز ذو طابع خطير, احدثت اثارا كادت ان تُخرج الامور عن السيطرة.

يكاد لا يخلو يوم الا ونسمع اخبار مستفزة للمشاعر والعقول يتداولها الاعلام التجاري المادي دون حتى ادنى مسؤولية , ويتناقلها الكثير من المواطنين على منصات التواصل الاجتماعي وكانها حقائق لا تقبل اثبات العكس, حتى اصبح المواطن يفيض بالشك تجاه المجتمع والدولة, بل جعلت من المواطن قاضيا يصدر احكام قطعية على مؤسسات الدولة وخططها وبرامجها واشخاصها مستندين الى البينة التي سمعها من اشخاص, او قرأها في صفحة الكترونية او على منصات التواصل الاجتماعي.

في كل يوم تثار قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية ثبت لاحقا ان الكثير منها مجرد اقاويل لا صحة لها, او مجرد حسابات شخصية يجري تصفيتها عبر استخدام الرأي العام كرأس حربة, فدخل المواطن في معمعة التجاذبات والمصالح الضيقة بصورة لا يُخطط لها الا شيطان احمر, وبفعلها بات المواطن حائرا بين صحة المنقول ونفيه وهذا امر لا يجوز التهاون فيه.

ونتيجة للتمرد في اطلاق الاشاعات وبناء رأي عام بمضمونها, نالت الكثير من الشخصيات شهرة لا تستحقها, واستبعدت الكثير من الشخصيات الفذة بقرار فردي من شخص او اشخاص استشعرت الخطر على مصالحها بوجودهم, زُرع الشك في قلوب الناس تجاه الدولة ومؤسساتها وافرادها, استشعر المواطن الفوضى, بات الفساد في نظرهم مؤسسة لا تُقهر, ساد الاحباط روح الانتماء حتى صارت الهجرة حلم الكثيرين, اصبحت جميع قرارات الحكومة في نظر المواطن وان عادت بفائده ضرب من التضييق على حياته وقوت ابنائه, واما الامن الذي تميز فيه الاردن في وسط اقليم ملتهب اصبح مثار للجدل والتشكيك, ووصل الامر الى التجني على اجهزتنا الامنية وقدراتها في حماية البلاد وامنها, فكان لا بد للدولة ان تقف عند هذه المسألة بفكر متعمق وحس متيقض لمحاولة اعادة وهيكلة الفكر المجتمعي والاعلامي في التعاطي مع الشأن العام بصورة تتسم بالوضوح والشفافية.

ان تعاطي الدولة ممثلة بحكومتها ومؤسساتها العامة بانفتاح وشفافية مع شعبها الذي يعد من اكثر الشعوب تعلما وثقافة له الاثر الاكبر في التخلص من الاثار الخطيرة للاشاعات التي في كثير من الاحيان تصدرت المشهد العام , فلا يصح ان يصمت اعلام الدولة طويلا عن الاشاعات المتعلقة بالشأن العام التي تطلق في الفضاءات الالكترونية ومجالس السمر الابيض والاحمر الى حين ان تأخذ الاشاعات مفعولها وترسخ في اذهان الناس على انها حقائق مخفية وعلى مبدأ (ما فيه دخان بدون نار ) , ولا يصح ان تتعامل الدولة واعلامها مع المواطننين بغموض مريب يثير الشكوك , بل يقع على عاتقها التصدي لهذا الامر و التعامل بوضوح وصراحة تامة مع مواطنيها في كل شأن عام ,وعليها ان تنتهج مبدأ الشفافية النزيهة القائمة على المصارحة وكشف الحقائق , لانه بكل بساطة, المواطن الاردني في سبيل وطنه وامنه قادر على الصبر والتضحية وتحمل المسؤولية عندما يشعر ان من يرسمون مسار حياته يتمتعون بهذه الصفات .




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :