facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





من غرائب الحياة في جنوب العراق


خالد القشطيني
15-06-2018 02:18 AM

في هذه الأيام التي يحتدم فيها النقاش بشأن أهلية المرأة لتولي الحكم والرئاسة، كنت خلال زيارتي في أوائل الخمسينات لقلعة صالح في منطقة الأهوار من جنوب العراق قد فوجئت بوجود قبيلة تترأسها امرأة، الشيخة ساعة.

وكان وجهها على اسمها، ساعة مدورة بيضاء محاطة بجدائل الفوطة كعقارب الساعة. كانت هذه المرأة أرملة للشيخ عبد الله، ورثت الحكم والمشيخة منه بعد وفاته، دون أن يبدي أي من الرجال والسراكيل أو النسوة أي اعتراض على امرأة تتحكم فيهم.

أقامت الشيخة لنا مأدبة سخية، حضرها قائمقام المدينة. لم يكن هناك أي مطربين محترفين. راح أبناء القبيلة ممن عرفوا بحسن الصوت يتبارون بالغناء على هواهم. أكثرها أغانٍ حزينة من نغم الأبوذية تعبر عن معاناة أولئك القوم، بيد أن أحد المغنين تمادى في الحزن حتى تحولت الأغنية عنده إلى نحيب وبكاء، ما انفك إلا وتفجر في عويل مرير.

انهالوا عليه بالضرب والركل، ورموا به خارج المجلس: «يا ابن الكلب، تقعد تنحب قدام الشيخة والقائمقام والأفندية». ازداد نحيبه خارج المجلس بعد أن وجد أنه قد فقد الأكل المطروح أمامنا على الحصيرة، من خروف محشي وسمك شبوط، أو من بقاياه.

خرجت الشيخة لتومئ بيدها إلى الراقصات والمطربات الغجريات بإيناسنا بفنهن البدائي وأصواتهن الخشنة: «يا حلو منين الله جابك، خزن جرح قلبي من عذابك»،... إلخ.

على مقربة من قلعة صالح، تولى أخي إحسان إدارة ناحية المدينة. لم يربطها أي طريق بالمدن الأخرى غير الواسطة النهرية المعروفة بالمشحوف. ويظهر أن أخي إحسان اعتبر جلوس المدير في مشحوف بدائي مصنوع من القصب والحصير عملاً مخلاً بكرامته وبهيبة الدولة؛ استطاع أن يحصل من المتصرفية على زورق إلى (ماطور). وأصبح هذا عجيبة من عجائب الزمان، ومنظراً يخلب الألباب؛ ما إن سمعوا صوت المحرك قادماً من بعيد، طه.. طه .. طه، حتى خرجت نساء القرية وأطفالها وشيوخها للتفرج عليه يشق عباب مياه الهور بقوة الخالق.

ولم يكن الجاموس أقل استجابة للتحديث والعصرنة؛ ما إن سمعت بصوت الماطور حتى أسرعت سباحة نحوه للتفرج عليه، وقد عجز عريف الشرطة عن تعليم الجاموس قواعد المرور، فكانت تتكأكأ برؤسها وقرونها الضخمة أمام الماطور فتحول دون تقدمه، مما اضطر الشرطة إلى الاستنجاد ببقية أفراد الحكومة، البوسطجي والشرخجي ومعلم المدرسة والمضمد الصحي. كانوا يقفون بعصا طويلة ليدفعوا الجاموس بعيداً عن مسار ماطور مدير الناحية، بيد أن الاختلاف بين سرعة الماطور وسرعة الجاموس أدى إلى كثير من الحوادث المؤسفة، بحيث إن شرطة ناحية المدينة تعتز الآن بتسجيل الحادثة الوحيدة من نوعها في العالم، وهي حادثة اصطدام بين جاموسة سوداء وماطور ديزل أبو اللولة.

الشرق الأوسط




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :