facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





في مدارات الثقة .. قولٌ على قول!


أ.د عمر الحضرمي
05-08-2018 12:22 AM

لقد وزّع الفقهاء الثقة إلى خمسة أنواع؛ الثقة العمياء: وهي عبارة عن ثقة مطلقة، وارتياح تام تجاه الموثوق به. والثقة العوراء: وهي أن تثق بالشخص المقابل بوجود القليل من الخوف منه، وعدم الارتياح له. والثقة العَيْناء: وهي الثقة المتزعزعة التي يمكنها أن تتحول في أي لحظة إلى شك وخوف. والثقة الموقفيّة التي يبنيها الشخص على موقف ما حدث معه أو مع الطرف الآخر. وأخيراً الثقة بالنفس: وهي أهم أنواع الثقة التي يبنيها المرء مع ذاته من خلال تطويرها وتصحيح اتجاهاتها. وعليه نسأل أين تكمن الثقة السياسية في هذا الزحام؟!

تسكن الثقة السياسية في مدارات تقييم المواطنين للحكومة، ومؤسساتها، وصناع القرار بشكل عام فيها. ويذهب ذلك في مساقات مدى العدالة والشفافية التي يمارسها المسؤولون، ومدى ما يتمتعون به من كفاءة وحفظ لعهودهم، وقدرتهم على توفير حياة أفضل للمواطنين، عندها تغدو الثقة السياسية متمثلة في تحكيم وتقييم شامل وعام من قبل المواطنين لمدى تماهي الحكومة؛ بمؤسساتها وممثليها واعضائها، مع مطالب الناس، ومدى تمتع أصحاب القرار بالمصداقية والأمانة حتى في ظل غياب الرقابة المباشرة.

لقد قَصُرَتْ جهود مدوّني البحوث السياسية العربية عن مقاربة الثقة السياسية بصورة عميقة وعلمية ودقيقة، حيث تناولوا، في أغلب أعمالهم، الثقة النفسية والشخصية مروراً بالثقة الاجتماعية، وعلاقتها برأس المال الاجتماعي، مغفلة بذلك التطرق إلى الثقة السياسية التي تحتل مركزاً جوهرياً في برامج دراسة العلوم السياسية والاشتغال بها، كونها تتعلق بالإطار العام للدولة، وتعتمد على القبول الضمني للمواطنين لحكومتهم ومؤسساتها وأجهزتها، على أن يتسم هذا القبول بالرضا الحر، وذلك لأن الثقة السياسية تتولد من خلال شبكات العلاقات التفاعلية بين السلطة وبين الأفراد والمجتمع المدني. وحتى تكون هذه الثقة واقعاً وحقيقة، لابد من تحقيق مستوى عال من المشاركة المدنية والسياسية بين جميع الأفرقاء، وبالتالي تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق التكامل الاجتماعي والاستقرار الديمقراطي.

أما العلماء غير العرب، فقد اختلف العديد منهم في مقاربة فكرة الثقة بمطلقها، وذلك لإختلاف مجالات العلوم الاجتماعية، حيث تناول خبراء الاقتصاد مفهوم الثقة من خلال التركيز على درجة الثقة داخل العلاقات التجارية. في حين قاربها علماء النفس الاجتماعي بالتركيز على الأشخاص في إطار منظومة التفاعل الاجتماعي. أما علماء السياسة فقد أخذوها من منظور العلاقة بين المواطن وحقوقة، كما نظروا إليها على اعتبار أنها سِمَةٌ مجتمعية وليست فردية، وعلى أساس إعتقاد الأفراد بأن الحكومة، أو النظام السياسي سيعملان بأسلوب يتّسق مع تلبية حاجاتهم وبالتالي تحقيق طموحاتهم. وهنا ندرك أن المواطنين الذين يثقون بالحكومة هم الأكثر امتثالا للقوانين والسعي نحو المشاركة السياسية معها. وتتمثل الثقة لدى هؤلاء المواطنين بالتوجّه العام لهم نحو الحكومة، هذا التوجّه الذي يقوم على التوقعات المعياريّة لها.

وهكذا فيمكن القول إن الثقة في الحكومة هي العنصر الأساسي والرئيسي لبقاء المجتمع واستقراره، وشيوع الرضا الحر بين أرجائه. وهنا نرى أن الثقة السياسيّة تكمن في العلاقة بين النظرية والتطبيق من جانب، وبين المساءلة والمراقبة والمرونة من جانب آخر. وعليه يعتبر أهم آليات بناء الثقة قائماً على ممارسة النخبة الحاكمة سلوكاً يؤمّن تلبية احتياجات الأفراد وتحقيق مطالبهم، وهذا بدوره يؤدي إلى اعتبار الثقة في أداء الحكومة مؤشراً أساسيّاً ومهما لقياس هذا الرضا الحر الذي ذكرنا، ويبدو ذلك أكثر وضوحاً وأهمية وصدقيّة من تلك الثقة التي تقوم على العلاقات الحزبية أو الايديولوجيّة أو حتى العقائديّة. ومن هنا وردت الاختلافات في تحديد مفهوم الثقة، حيث عرّفها بعض الفقهاء على أنها جزء من النسيج الاجتماعي والمعرفي وعلى أنها أحد أهم مكونات الرأسمال الاجتماعي، الذي يقوم على تلبية الحاجة الملحة الصادرة عن التفاعل مع أفراد المجتمع المرتكز على العلاقة مع الآخر، شريطة أن تكون هذا العلاقة خالية من القلق أو الشك أو الريبة، كون الثقة تعتمد على تقييم المواطنين لمدى التزام السلطات والمؤسسات السياسية بتنفيذ ماهو متوقع من الحكومة والبرلمان والقيادة، الأمر الذي يتساوق مع كل أشكال المشاركة المدنية.

تقاس الثقة السياسية من خلال رصد الاستقرار السياسي وذلك ضمن عدد من المؤشرات التي ترتسم من خلال نمط انتقال السلطة، أو شرعية النظام السياسي وقوته ومقدرته على حماية المجتمع وسيادة الدولة، وتدعيم المشاركة السياسية، وغياب العنف، واختفاء الولاءات التحتيّة، وارتفاع مستوى المشاركة السياسية، وسهولة الوصول إلى المعلومات، ومدى استعداد السلطة لقبول المراجعات والرقابة والمساءلة.

وهنا تقف بنا المطارحة على أبواب ضرورة قيام لجان مشتركة بين الحاكم والمحكوم، تبحث في مفهوم الثقة السياسية وسبل تطويرها من خلال منهجية واضحة للإصلاح السياسي.

ohhadrami@hotmail.com

الرأي




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :