facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





أستاذي عبدالعزيز عوض


د. بسام البطوش
11-10-2018 12:06 PM

في حياة كل منا عدد محدود من المعلمين والأساتذة والمربين، الذين تركوا بصمة لا تزول، وأثرا لا يمحى في شخصياتنا، ونظرتنا لما نتعلمه، وكيف نتعامل مع طلبتنا مستقبلا، فيما لو اصبحنا معلمين. من هؤلاء، أستاذي الدكتور عبدالعزيز عوض أستاذ التاريخ بجامعة اليرموك سابقا، تعلمت على يديه في مرحلة البكالوريوس، كيف أقرأ التاريخ؟ وكيف أفهم النص؟ وكيف أدافع عن فكرتي؟
درست في صفوف د. عبدالعزيز عوض، مواد، تاريخ العرب الحديث، وتاريخ العرب المعاصر، وتاريخ العالم الحديث، وتاريخ العالم المعاصر، وغيرها من المواد. في تلك المرحلة علمنا أستاذنا متعه الله بالصحة والعافية ألف باء الحوار، وقبول الآخر، واكتشاف التعددية، وأهمية اتقان البحث العلمي وأصوله وقواعده. لم يكن أستاذنا يؤمن بحكاية التعليم المعلب التلقيني، ولم يحصر لنا المعرفة في كتاب مقرر، وانما كان يفتح أمامنا خيارات متنوعة للقراءة والبحث والاستقصاء، وفي النهاية؛ فليشكل كل منا منطقه وفكرته، وليثبت صحة منطقه، وليقنع الآخرين بمنطقية فكرته إن استطاع!
أجزم أنه كان يستمتع باستفزازي للرد على ما كان يطرحه من تحليل أو تفسير أو نقد، لما كنت أتبناه من آراء واطروحات، أعترف أنها لم تكن ناضجة ومكتملة، في تلك المرحلة المبكرة من العمر؛ فكان يلقي بضع كلمات عميقات، بأسلوبه السلس الهاديء، وبصوته الخفيض الواثق، ليتركني مشتعلا بالأسئلة، ومشتغلا بالبحث والقراءة، استعدادا لجولة قادمة من الحوار في محاضرة تالية! لن أنسى الاشتباكات الفكرية والمعرفية، التي كان يتقن صنعها بثقافته الواسعة، وبتجربته الثرية، وبعشقه للقراءة، وبأسئلته المشبعة إثارة وتشويقا.
لم يكن أستاذنا سخيا في العلامات؛ كسخائه في العلم. لكنني كنت أجد نفسي مصرا على أن أدرس كل ما يمكنني دراسته من مواد في صفوفه، وإن كانت العلامات شحيحة! فهذا الحب والاحترام للاستاذ، لم يكن مقرونا بالعلامة واغرائها، بل بالمعرفة وسحرها!
ومما يميز أستاذي العزيز أنه كان وما زال العالم الزاهد في دنيا الناس وزخارفها، مبتعدا وباصرار عن الأضواء والصخب، ومترفعا على الصراعات الصغيرة، والمكاسب الزائلة؛ فلم ألمس يوما رغبة عنده في تولي أي مسؤولية ادارية أو سياسية؛ فكان وما فتيء الطود الشامخ، والانسان النبيل الأنيق فكرا وشكلا ومضمونا، والمتواضع الصبور، لكنه كان لا يتسامح مع هنات طلبته في لحظة تعلم، فيطيح بنا في مهاوي الردى، ببضع كلمات أو بمجرد نظرة! لن أنسى ما بناه في نفسي من ثقة ودفء في العلاقة بين المعلم وتلميذه، يوم كان يأتمنني على مفتاح مكتبه في بضع مناسبات! وما أدراك ما تعنيه هذه الثقة في تقاليد العلاقة بين الاستاذ وطلبته، في ذاك الزمن الجميل!
منذ سنوات لم ألتق أستاذي، الا في هذه الأمسية الطيبة، وعلى مائدة الفكر والثقافة أيضا! بعد سنوات من الغياب، وبعد سنوات من تقاعد أستاذنا عاجلته بالسؤال: ماذا تكتب هذه الأيام؟ فعاجلني بالاجابة؛ أقرأ وأقرأ كثيراً! وهنا تنبهت الى أن الاساتذة والعلماء يطالعون أكثر مما يكتبون! وتذكرت أن أستاذنا الراحل المؤرخ الكبير عبدالعزيز الدوري لم ينشر في حياته سوى عدد من محدود من الكتب والدراسات المنهجية والتأسيسة، في حين كنت أعجب من أن الجيل الثالث من تلامذته نشروا عشرات المؤلفات أو الدراسات الفجة! وعوده الى أستاذي عبدالعزيز عوض؛ فهو من المدرسة المؤمنة بمسؤولية الكلمة، وقدسية المعرفة، وما لم يكن العمل المعرفي أو التاريخي مكتملا فلا داعي لعرضه ناقصا مشوها! وهنا تبرز خطورة الدراسات التاريخية المؤطرة بمحددات اللحظة زمانا ومكانا. وهنا نبحث في فضاء الأوساط الأكاديمية عن العمق المعرفي والمنهجي للانتاج العلمي المنشور وقيمته وصدقيته وتأثيره في مسيرة المجتمع والانسانية.
كم سرني هذا اللقاء، وكم تمنيت أن يرجع بنا الزمن الى تلك الأيام، في رحاب اليرموك، في بداياتها، يوم كانت مشعلا ومنارة وشعلة في درب التعليم العالي، في وطننا الحبيب، وفي منطقتنا العربية.
سلام على اليرموك وزمنها الجميل وجيل التأسيس




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :