facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





وللقارئ قدرة على استكناه المعنى !


د. زيد حمزة
14-01-2019 11:56 PM

في رحلتي الطويلة مع كتابة المقال الصحفي بذلت وسعي كي أتجنب ما يوحي بأني أدّعي حكمة الزمان وبالتالي القدرة على بسط المعارف وتوزيع المواعظ، فعندما تحدثتُ ذات مرة عن ((الغفران والنسيان)) وأهمية الفرق بينهما على مختلف الاصعدة، حاولتُ ذلك دون ان أنصّب من نفسي معلّماً يلقّن تلاميذه، وعندما اعود اليوم لاشرح تحديداً ذيْنك السلوكين البشريين اللذيْن يبدوان لاول وهلة متطابقين او متوازييْن فاني اجتهد مرة أخرى ضمن معرفتي المتواضعة المنفتحة في تبيان الفرق بينهما اعتماداً على بعض القرائن المنطقية والحقائق العلمية، فاقول إن احدهما، وهو الغفران، فعلٌ إرادي يستطيع القيام به اي انسان عاقل حر عندما يشاء أو يرغب أو يرى إزاء مواقف معينة أنه الاجدى والأصوب والأرحم.

أما الثاني، وهو النسيان، فيخرج عن نطاق الإرادة البشرية كما أنه بالطبع غيرُ ذلك الناجمِ عن تقدم العمر وضمور عدد من خلايا الذاكرة وضعفِ خيوطِ الاتصال بين المراكز المتخصصة في الدماغ ناهيك عن آخرَ ناجمٍ عن اضطراب الذاكرة أو فقدانها في امراض الشيخوخة المستعصية مثل الالزهايمر.. وهو كذلك لا يشبه الغفران وما يشتمل عليه من تسامح وتغاضٍ وعفوٍ عند المقدرة فهذه كلها مشاعر طيبة وشمائل حميدة تحظى بالترحيب والاعجاب لكنها غير قادرة على ان تمحو من الذاكرة أي معلومة بتفاصيلها التي تكون قد اختزنتها وسجلتها كما يحفظ الارشيف الوثائق التاريخية الهامة سياسية كانت ام سواها، ولا أن تغيّر او تحرّف واقعة معينة بشخوصها وما قد تكون ادت اليه من اساءات وعقوبات واضرار أو عكس ذلك من منافع ومكاسب وارباح خصوصاً تلك التي وصلت الى المحاكم وصدرت فيها احكام !

وما محاولة إكراه الانسان على النسيان ببعض انواع الادوية إلا تخريب لخلايا معينة في قشرة الدماغ، وما الصدمات الكهربائية التي شاعت في القرن الماضي لعلاج بعض الامراض النفسية إلا وسيلة قاسية عنيفة ثبت فشلها حتى تم اخيراً منعها وتحريمها لكنها مازالت مستعملة في بعض سجون التحقيق والتعذيب، وما محاولة الانظمة غير الديمقراطية غسل ادمغة شعوبها وتضليلها باوهام الاعلام الموجَّه إلا تزوير مؤقت لا يلبث ان يُفتضح ويزول وتعود الشعوب الى وعيها وتثأر لنفسها ولو بعد حين، مع أن هذا (الحين) قد طال كثيراً على بعضها فسكان اميركا الاصليون «قبل ان يصبح اسمها القارة الاميركية وقبل ان يسميهم الغزاة البيض هنوداً حمراً» وبعد قرون من القتل والعزل والافقار والتجهيل وتسهيل السقوط في الادمان على المخدرات، مازالت اجيالهم الباقية ماضية في مقاومتها ومتمسكةً بجذورها وبقدسية ارضها ومائها وسمائها، وها هم الفلسطينيون بعد ما يقرب من ثلاثة ارباع القرن مصرّين على حق العودة الى وطنهم المغتصب.. ولم ينسوا منذ نكبة 1948 صفحةً واحدة من صفحات تاريخهم المأساوي..

وبعد.. لقد عدتُ لهذه المقارنة لأني لاحظت في بعض قراءاتي مؤخراً أن الخلط بين الغفران والنسيان مازال يُمارس بقصد سيئ أو دونما انتباه للاختلاف بينهما ليس من الناحية اللغوية فحسب، لان معاجمنا العربية مازالت أعجزَ من إدراك هذا الاختلاف الموضوعي، بل عند التصدي لمفاهيم الاخلاق والتقاليد والعادات وامتداداتها الفكرية في التحليلات الاجتماعية والنفسية أو تداعياتها السياسية والقانونية، وأكتفي الآن بهذا القدر المحدود من الايضاح آملاً أن اكون قد بلَغتُ أربي بما اجتهدت فيه، ولعل عزائي في ذلك كله ثقتي بفطنة القارئ في استشفاف ما وراء السطور وقدرته على استكناه بعض ما خفي من المعانى المتوخاة بأفضل مما لو أطلتُ وتوسعتُ في الشرح حدَّ.. الإضجار !




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :