facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





دمعة لا تقول وداعا


د. موسى برهومة
10-08-2009 04:58 AM

بغيابها الخاطف كصاعقة لم أعد طفلاً. هرمتُ فجأة بمجرد ما جاءني صوتُ الطبيب عبر الهاتف الصباحي: "الوالدة أعطتك عمرها". وفجأة، ومن دون سابق إنذار، أحسستُ أنني كهل متهالك في الثالثة والأربعين.

لم أعد، وأنا "العريق" في اليتم منذ خمسة وثلاثين عاماً، يطاردني تفاحُها ودعاؤها.. لم تعد كفها المرتجفة تلوّح لي بالسلام، فلقد أعتمت الدنيا، وانشقّ قلبُ القمر.

أنا الآن قشة هائمة لا مستقرَ لها في فضاء الغبار الكثيف. ريشة عصفور قصفت جناحَه الريحُ أنا، وأنا كومةُ حجارة صغيرة تجهد أن ترصّع قبرَها بالدمع والنشيج..

غابت الحاجة نعيمة، وغابت البركات، وأضحى علقماً طعمُ الحياة.

نحاول أن نتحلق حول مائدة الطعام.. نحاول أن نكتمل، لكنّ المقعد السادس يئنّ من الوحشة والعذاب. يحاول "رايان" طفلي الصغير وحبيب جدته أن يتسلق فيأبى: الكرسي ورايان..

فلمن أفتّت بعد اليوم قطعَ اللحم، ولمن أقشّر الموز، وأحضر كوب الماء البارد.. وعلى من يتسابق أطفالي كي يمسكوا يد الجدة وهي تعود إلى أريكتها في غرفة الجلوس؟

"عودة" يروي حلمه في الليلة الظلماء، عندما جاءته الـ "تيتا"، وقالت له وهو على سرير الشفاء في المستشفى: "سلامتك يا حبيبي"، و"ريف" تتشح بالسواد، و"عمرو" يبكي وهو يكفكف دموعي مرتجفا: "الله يرحمها يا بابا"، و"سهاد" تركض مسرعة كي تنفذ وصية حماتها بألا تمكث في ثلاجة الموتى.

"السروة انكسرت"، وانطفأ ضوءُ القنديل.

لا أستطيع أن أنسى، عندما كنتُ صغيراً وبريئا، كيف كانت الدالية تخبرنا أسرار أجمل الأمهات، وكانت شجرة الليمون تسهر معها حتى مطلع الفجر وهي تطارد العصافير كي تنقشها على صدر ثوب حريري خاطته حتى حفرت الإبرة مجرى في إصبعها..

وكانت، وهي تهدهدنا كي ننام أنا وأشقائي يسرى وعيسى ومحمد، تحلم، وترنو إلى غد بعيد يكبر فيه الفتية الصغار، ويلوّنون حياتها بالفرح، ويزينون يديها بأساور النجاح والأمل..

كبُر الفتية الصغار يا أمي، وصاروا ملءَ العين والنظر، لكنهم حينما يتلفتون الآن حولهم لا يجدونك بينهم تعطرين أرواحهم بمسك حضورك الذي كان يتضوّع في دروبهم أينما حلّوا أو ارتحلوا..

ولئن كانوا زرعوك وشماً فوق قلوبهم، وكحلوا أعين الدنيا بك، لكنهم ما ارتووا من نبع محبتك، لأنك قررت الرحيل، بغتة، وتركت الدمع يحفر أخاديد فوق وجناتهم..

فيا أطيب الأمهات: على من سألقي بعد اليوم تحية الصباح وأنا في طريقي إلى الجريدة، ويدَ من سأقبّل، ومن سوف تشيّعني بدعائها اليومي: "الله لا يضيعلك تعب"؟

أدري أنك ترقدين الآن بسلام ووداعة، فأنا أحسّ بك من دون أن تنطقي بحرف، ولهذا أدركتُ عندما زرتُ قبرَك قبل ثلاثة أيام بأنك عطشى، لذا أحضرتُ لك ماءً كثيراً، ورويتُ أسبوعاً من الظمأ تشقق خلاله بدنُ الإسمنت..

وفي المرة المقبلة سأحضر لك ورداً أبيضَ، وأنثره فوق رخام قبرك، ولسوف أضمّخ شاهدة القبر بالعطر والياسمين، فلا تقلقي، ونامي بسلام..

ولكنني أصدقك القول، شختُ فجأة يا أمي، ولم أعد طفلاً . حزّ الغياب عنق براءتي من الوريد إلى الوريد، فاسمحي لي أن أذرف دمعة وفاء على قبرك.. دمعة صامتة كيلا أوقظك من غفوتك.. دمعة لا تقول وداعاً، وإنما تنشد لك نشيد الحب الأول عندما كنت صغيراً وجميلاً، وكنت تخبئين لي الحلوى في "النملية" و"تغاوزين" معي من دون بقية إخوتي..

اسمحي لي أن "أغاوز" معك الآن، وأقول لك: افسحي لي قربَك، كي أبيتَ، ولو ليلة، أحرسُ رقدتك من الأنين، وأقلّبك على جنبيك، وأضمّك إلى قلبي المتصدع..

أمي الحبيبة والعظيمة والبيضاء: ليتني مِتُّ قبل هذا وكنتُ نسياً منسياً.

m.barhouma@alghad.jo

** الزميل الكاتب رئيس تحرير يومية الغد ..




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :