facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





كن جميلا


لارا مصطفى صالح
20-03-2019 11:49 PM

في هذه الحياة؛ تعلمت الكثير وغاب عني الكثير، فعلى سبيل المثال لا الحصر، لا أفقه في الرياضيات شيئا، ولا أعرف حتى من اخترع الأرقام أو من ابتكر علومها. وبناء على ذلك، لست ممن يمارسون كتابة الأعداد وَحِساب الفوائد فِي العلاقات الإنسانية، ولست من هواة جمع الأصدقاء أو طرحهم، خلافا لما يعتنقه الكثيرون. ولا أدري فيما إذا كانت القسمة أشد أم الضرب! وعلى الرغم من أن غالب درجاتي في الرياضيات كانت مقبول مع الرحمة، غير أني كنت أوفر حظا في فهم الكلام الموجه وتفكيكه واستبطان كتل السواد فيه والسخرية منه. ومن جماليات السخرية سواء في الكتابة أو في الحديث، حتى وإن كان حديث النفس للنفس، استخدام أسلوب الكوميديا السوادء والإستهزاء بالمنطق، رغم أنه قد يحمل روح الفكاهة أحيانا، إلا أن ما يشرحها -السخرية- على الأرجح، هي الخيبات، وهي خيبات تشرح العبثية أيضا والتي تشرح بدورها مجتمعاتنا داخل البلاد وخارجها. ومن أعظم الخيبات أن لا يدرك الأصدقاء مكمن الجمال في مفهوم الصداقة.

كن جميلا، ولا تحدثني عن مضار السهر والتدخين والنسكافيه مع الكوفي ميت والأكل قبل النوم وكثرة التحديق في الهاتف النقال، وأن السرعة بعد ال ١٢٠ كيلو متر في الساعة خطيرة، وحذار أن تقلل من قيمة كتب ال بي دي إف، أو من متعة لعبة كاندي كرش، ولا تنتقد مزاجي المتقلب في الأغاني، فمحبتي لأم كلثوم وفيروز وصباح فخري والشيخ إمام ومارسيل خليفة ومحمد منير وغيرهم لا تقلل أبدا من محبتي لأغاني عمر العبدللات وحسين السلمان وأمل شبلي ولا تنفي غرامي لأغنية يا هوى روح وقله لوائل كفوري أو لأغنية ردي شعراتك لعيسى السقار مثلا! ولا تستغرب بأنني وعلى الرغم من عشقي للغة العربية إلا أنني لا أحب أسماء الإناث منها، وأفضل الأسماء اللاتينية على غيرها، وأن التاء المربوطة لا مكان لها باسم سمرائي الصغيرة "تاليّا"! وإياك أن تحدثني عن عقوبة ترك الصلاة وعدم ارتداء الحجاب فتلك حدودي فلا تعتديها!

كن جميلا واعلم أيضا أنني امرأة لا أحب لعبة الورق وأمقت مجلسها. ولا أحب العتب، وأشعر بضيق شديد، إذا ما عاتبني شخص ما أيا كان، ومهما كبرت مكانته في قلبي، وأقوم بتقطيع شعري إذا ما اشتد عليّ الضيق في جلسة طغى عليها طابع "العرط"، ودونك شعري، فقد تم القضاء على طبقة كاملة منه بنجاح. والعرط في الدارجة الأردنية يعني "التباهي"!

كن جميلا، ولا تكن مثل الوزراء والنواب وأصحاب المناصب الفخرية، حيث يتأنقون ويترأسون الإجتماعات والجاهات تنفيذا لخطة الدولة بإعادة تدوير المناصب ولقتل الملل وللتبسم للصورة ولا إنجاز! أما إذا كنت من هواة التمثيل فكن عميقا واستفد من مدرسة كل من أنتوني هوبكينز ومحمود عبد العزيز، وابتعد كل البعد عن مدرسة جيم كاري وانتونيو بانديراس ومحمد سعد وتوفيق الدقن، فلا لا يتوسل إليك الجمهور أن تغادر خشبة المسرح.

كن جميلا، وتذكر أنه لا شيء يستدعي قصيدتك الثورية إذا لم تحفظ قصيدة للمتنبي في غرفة صف زجاج نوافذها مكسورة بينما درجة الحرارة ٢ داخلها، وإن لم تزر مستشفى البشير يوما وإن لم تسمع طقطقة حبات المطر القاسي على ألواح الزينكو في مخيمات اللاجئين، وإن لم تكن على دراية بأن كشك الثقافة وعربة فستق أبو أحمد الإفريقي ومخبز صلاح الدين والجامع الحسيني وكنيسة البشارة من معالم عمّان، فهذا انتقاص من قدسية البلاد! ولا شيء يستدعي قصيدتك الغزلية التي تصف روحك حين عانقت روحا أخرى والتي تلقيها في كل مجلس، فهذا إسفاف يفقد المشاعر بهاءها. وصدقني لا جدوى من حديثك عن صلاتك وصيامك وصدقاتك ونبلك وكرمك ودعائك ومعاناتك في مسح طلاء أظافرك قبل كل صلاة؟ هل هذه أشياء تقال يا شيخ/ة؟

كن جميلا، ولا جناح عليك إن لم تعرف أن الدجاج يشعرني بالغثيان وأنني لا أحب البطيخ مطلقا، وبأنني أفضل الربيع في نيسان أكثر من آذار، بل لا أحب آذار مطلقا وإنني أفضل رائعة إليوت (نيسان أقسى الشهور...يخُرج...الليلك من الأرض الموات...) على رائعة درويش ("آذار أقسى الشهور " وأكثرها شبقا ...).

الصديق الجميل مثل البلاد الجميلة، لا تدس أنفها بشؤونك الشخصية، ولا تحمل عليك ضغينة ولا تنتهك حريتك ولا تضطهدك إن عارضتها، ولا تنساك ولا تستعذب إذلالك أو تحاول إخضاعك لرغباتها، ولا تتعمد إيلامك والأهم أنها لا تطلب منك التضحية بروحك أو تقديم أي قربان لأجلها حتى لو كان ذلك القربان لحظة وحيدة من فرح أو حرية أو أمل، لأنها لحظة ستبقى محفورة في عنق ذاكرتك للأبد. يقول الروائي الأردني جمال القيسي في روايته "قسم البنفسج" (ستظل هذه اللحظات توجعك وتشكل مذاق الحياة في قلبك حتى أبد الدهر).




  • 1 الزعبي 21-03-2019 | 12:47 AM

    كلام رائع....

  • 2 محمد قواسمه 21-03-2019 | 08:09 AM

    عدة مقالات في مقالة واحدة ... رائعة جداَ كما هي دائماً .

  • 3 لارا مصطفى صالح 21-03-2019 | 02:03 PM

    شكرا كبيرة (الزعبي) و (محمد قواسمة).


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :