facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"مواردٌ مُتجددة"


عبد الحافظ الحوارات
22-06-2019 12:31 PM

يقول محمد بن عيسى وزير الخارجية المغربي ووزير الثقافة الأسبق : الثقافةُ مَورِدٌ للتنمية، كالذهب والنفط.
بعد أنْ لَمَسَ فداحة اختراعِهِ للديناميت، وشاهد جزءاً يسيراً من هول الدمار الذي ألحَقهُ بالإنسانيّة، قرّر "ألفرد نوبل" وضع جائزة ضِدِّيَّة تدعو إلى الحياة وتُقدِّسُ الحب والوجود البشري، وتُشجّع على تنمية جانب الخير في نفوس البشر.

ورغم طغيان الحروب على السِّلم الذي اندحر أمام إوارها حتى أصبح يُنظرُ إليه على أنّهُ استثناءً في هذا الكون المُلتهب، إلّا أنّ ما يلفت انتباهنا في نوبل هو الجانب الثقافي المُنضوي تحت فَرع من جائزته يُدعى: نوبل في الآداب.

ليس كل البشر أشراراً، وبعضهم لا يُقاس عُمره بالسنين! فعلى سبيل المثال، ينظر الألمان إلى "كافكا" باحترامٍ عظيم باعتبارهِ مؤسس الرواية الحديثة، لقد غاب عن هذه الدنيا في الأربعين من العمر تاركاً وراءه فراغاً أكبر من حجم جسده النحيل، وحينما يَقِفُ في زحام عمالقة الأدب الألماني، فإنّه الأطول عنقاً بينهم. وفي اتجاه آخر وَصَلَ الوَلَه بِالشاعر والأديب "بوشكين" حَدَّاً فارقاً لدى الرّوس حينما جعلوه مقياساً لوطنيّة زعمائهم؛ مُعتبرين الجهل به وبأعماله مُكافئٌ للوقوع في خطيئة خيانة الوطن، لقد غاب وهو في السابعة والثلاثين، وما غاب.

بدر شاكر السيّاب أحد أركان الشعر الحر في الأدب العربي غاب وهو في الثامنة والثلاثين.
أبو القاسم الشابّي شاعر الخضراء والحريّة فارق الحياة عن خمسة وعشرين عاماً.
هل الغيابات المُبكّرة سِمة المُبدعين؟ لا أجزم، بيد أنّ البشر جميعهم في النهاية سوف يغيبون. ربما ليس كلهم على الإطلاق؛ الاستثناء يكون لأولئك الذين ينحتون بصمة لهم على الصخر. أولئك الذين لن يغيبوا. ما أحوج مجتمعاتنا لأمثالهم!
سلطان العويس بلغ مبلغاً عظيماً في سِنِي حياته التي توزّعتْ بين أعمدة أربعة؛ سلطان الكاتب والأديب، وسلطان الشاعر والتاجر. فأثرى في كلٍّ منها إثراءً بَيِّناً، وأقام له صرحاً دائماً يأوي إليه حجيج المثقفين والمُريدين والمحتاجين. حتى أنّك لا تشعر بأنّه قد غاب بعد الممات. إنّ أثره ما يزال يرتقي ويعظُم عاماً إثر عام.
قبل أيام، تمّ في دبي إقامة حفل توزيع جائزة "العويس للإبداع" إحدى أبرز الجوائز العربية في الأدب، وقد أتمّتْ هذا العام دورتها السادسة والعشرين، وكان لي الشرف أن أكون أحد المكرّمين في ذلك الحفل. جائزة العويس هي الرئة التي يتنفّس خلالها المُؤسس الرَّاحل بعد غيابه، وخلال تلك الفترة الطويلة من نجاحاتها فَرَشتْ جائزته للإبداع سجّادها الأحمر ليمرّ فوقه باتجاه منصّة التكريم أغلب الأدباء والمفكرين في الإمارات، وفي العالم العربي ممّن كتبوا عن الإمارات.
لِنَتَخَيّلْ سويّةً لو أنّ بعض التجّار الناجحين في عالمنا العربي كانوا أُناساً ميّالين بطبعهم إلى الآداب والإبداع، وفي الوقت ذاته كانت أياديهم مبسوطة، فكم من محفل ثقافي سَينتصب في عالمنا المقهور! وكم جائزة سيُشيّدها أولئك المُقتدرين نُصُباً تذكارية تُخلّدهم إلى الأبد! وكم حاضنة خصبة سيأوي إليها الأدباء المغمورين في عالمنا العربي ويجدون فيها ملاذات لهم ومُتَكَأً! يقول "غابرييل غارسيا ماركيز" أنّ في كل ذاتٍ من ذواتنا حكايات جميلة تحتاج إلى مَنْ يَستخرجها. الجوائز الثقافية هي الرِّشا التي سيتعلّق بها مبدعو قيعان الجُبِّ كي يصلوا من خلالها إلى قبس الشمس المنير.
في جُزُرِ سليمان، عندما يريد السكان المحلّيون القضاء على جزء من الغابة من أجل استغلال أرضها للزراعة، فإنهم لا يقطعون الأشجار. ببساطة، يتجمّعون حول الشجرة ويبدؤون بشتمها. تنتقل لها اللعنة. وفي غضون أيام تضعف وتذبل وتموت من تلقاء نفسها. وماذا لو انتهجنا الصورة المعكوسة لذاك الفعل! إنّ امتداح الشجرة ورعايتها والتغنّي بها سوف يطيل عمرها ورونقها وثمارها، وتورِفُ ظلالها.
في الأردن هناك مؤسسة عبد الحميد شومان التي أطلقتْ أوّل جائزة عربية تُعنى بالبحث العلمي وتحتفي بالباحثين العرب، للجائزة فرعٌ يختصّ بالآداب والعلوم الإنسانية وأدب الأطفال. شومان الذي هاجر إلى أمريكا قبل أنْ تُؤَسَّس الأردن، وحينما عاد أنشأ مدرسة وكلية جامعية وبنكاً. وبعد أن غاب أُسِّسَتْ جائزة قَيِّمَة خلَّدَتْ اسمه وأبقته حيّاً في هذا العالم الذي سرعان ما يبتلع الأموات وأسماءهم ممّن غابوا بلا أفعالٍ تُخلّدهم.
يا بعض تجّارنا، خَلِّدوا أسماءكم، وأنقذوا الثقافة كي تبقى مورداً متجدداً ولا تُعلن إفلاسها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :