facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





ذاهب إلى سان بطرسبيرج


الامير الحسن بن طلال
24-05-2007 03:00 AM

نعم‏,‏ ولم بطرسبيرج أو ليننجراد‏,‏ كما كانت تسمى إلى عهد قريب؟ بطرسبيرج مدينة بطرس الأكبر‏,‏ الشرقي الغربي والغربي الشرقي‏!‏ المدينة الصامدة التي تذكرنا بالسمفونية السابعة لشستاكوفيتش‏,‏ بضرباتها المتتالية الشبيهة بضربات السيمفونية الخامسة‏,‏ سمفونية القدر‏,‏ لبتهوفن‏.لم بطرسبيرج‏,‏ إذا؟ لأن مؤسسة التسامح الدولية لبحوث الإنسانيات تعقد هذه الأيام مؤتمرا دوليا في تلك المدينة التاريخية المتألقة حول تفاعل الثقافات والحضارات‏:‏ حوار أم صراع؟ دعونا ننسي كم هو مألوف هذا العنوان‏,‏ وكم سطر حوله من مقالات وأطروحات‏.‏ ولنركز علي الإيحاءات والتداعيات العميقة للموضوع‏.‏

لكم جنينا علي ذلك المفهوم الدافيء العذب‏,‏ التسامح‏,‏ الذي يحمل دلالات مختلفة في اللغات والثقافات المختلفة‏.‏ فهل التسامح بالعربية‏,‏ مثلا يعني الشيء نفسه بالروسية؟ الجواب بكل بساطة لا‏,‏ لأن التسامح بالعربية يعني تقبل الآخر إلي حد التعايش معه‏,‏ في حين أنه يعني بالروسية الفهم المتبادل‏.‏ أما بالنسبة لكاتب هذه السطور فهو يعني‏,‏ إضافة إلي سائر الدلالات المعروفة‏,‏ التحمل‏:‏ تحمل الآخر وتحمل العناء والعنت‏,‏ وحتي العدالة‏,‏ لأن العدالة قد تكون صارمة أحيانا إلي حد القسوة‏.‏ نريد تسامحا ثوريا‏,‏ إن جاز التعبير‏,‏ وتسامحا فاعلا يسعي إلي ردم الفجوة بين الذين يملكون والذين لا يملكون‏,‏ تسامحا ينأي عن التخاذل ويحشد القوي والطاقات من أجل عالم أفضل‏.‏

ولعل بطرسبيرج هي المدينة المثالية لتجسيد قيم الحوار الندي وقيم التعايش والاحترام المتبادل‏,‏ مثلها مثل اسطنبول التي يصبح فيها الشرق غربا والغرب شرقا‏.‏ فكلتاهما تشع إشراقا‏,‏ يتجاوز الحوار إلي التلاقي‏,‏ والاتصال إلي التواصل‏.‏ وهذا ما أعنيه حين أشير دوما إلي أنسنة العولمة‏,‏ وأنسنة الإنترنت‏,‏ وأنسنة السياسة والعلم والتكنولوجيا‏.‏

ومادمنا في رحاب روسيا‏,‏ فإنه يحق لنا أن نتمرد علي مفهوم الاحتواء الذي برز ــ أول ما برز ــ عقب الحرب العالمية الثانية‏,‏ حين أخذت رياح الحرب الباردة تهب شيئا فشيئا‏.‏

في ذهني الآن تلك البرقية الطويلة التي خطها الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان‏.‏ لقد طبق هذا المفهوم علي الاتحاد السوفيتي‏[‏ السابق‏],‏ وكان الركن الأساسي في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية إزاء إمبراطورية الشر‏.‏

لكن يبدو أن أقوياء هذا العالم لا يتعلمون من التاريخ‏,‏ إذ إن هذا المفهوم الذي خلناه من مخلفات الحرب الباردة أمسي الأساس في السياسات حيال الصين‏,‏ وكوريا الشمالية‏,‏ وإيران‏,‏ وسورية وهلم جرا‏!‏ تصوروا‏:‏ هذا في مقتبل الألفية الثالثة التي استنهضت فينا الأحلام الكبيرة والآمال العريضة‏.‏

المشكلة لا تكمن في حرب باردة جديدة‏,‏ وإنما في حرب ساخنة محتملة‏.‏ فماذا حدث لتعددية الأطراف الحقة؟ أين الأخلاقيات التي تنظر إلي الإنسان ما وراء أنابيب النفط والغاز؟ أمحتم علينا أن نكون أكباش الفداء في صراعات الأقوياء‏,‏ وأن نكتوي بسياسات اليأس واقتصادياته؟ ألا يوجد بعد كل هذه المعاناة سوي الهيمنة والسيطرة والغطرسة؟

إن سياسة الاحتواء هذه هي جزء من مفهوم الهيمنة الذي عصف ويعصف عصفا بالإطار التعددي للنظام الدولي الذي نجم بعيد سنة‏1945.‏ وعلينا ألا نكتفي بشجب هذه السياسة‏,‏ بل ان نتحرك إيجابيا من أجل تعزيز القواسم المشتركة الإقليمية أولا‏,‏ عسي أن تمتد لتصبح قواسم مشتركة عالمية‏.‏ وهذا يعني بدوره العمل علي الحلول فوق القطرية لمشكلاتنا المتأصلة المتعلقة بالمياه والطاقة والتصحر والفقر‏,‏ إلي آخر السلسلة‏.‏ كما يعني السعي نحو ثقافة الانضواء تحت خيمة القوانين والنواميس الدولية التي تسري علي الجميع من دون استثناء‏.‏ ولا ننسي أيضا العمل علي وضع قانون سلام عالمي ملزم للأطراف كافة‏,‏ وترسيخ مفهوم إدارة الحكم الرشيد الأخلاقي‏.‏

لقد تحول الستار الحديدي‏,‏ الذي كان يفصل بين قوتين عظميين‏,‏ إلي ستار ذهبي‏.‏ وهذا الأخير هو عنوان كتاب صغير الحجم غني المحتوي‏,‏ وضعه الباحث والسياسي البرازيلي البارز كريستوفام بوارك عام‏1995,‏ وترجم إلي الإنجليزية مؤخرا‏.[‏ العنوان الكامل‏:‏ الستار الذهبي‏:‏ صدمات نهاية القرن العشرين‏,‏ وحلم للقرن الحادي والعشرين‏]‏ الستار الذهبي هذا لا يفصل بين الدول ولا بين الأنظمة السياسية أو الأيديولوجية‏,‏ وإنما يفصل بين الذين يملكون المعرفة والتكنولوجيا لتحويل الطبيعة إلي ثراء مادي وثقافي وبين أولئك المحرومين من هذه المزايا‏.‏ الستار الذهبي هذا أكثر حدة ومضاضة حتي من الستار الحديدي‏,‏ لأنه يفصل بين الشعوب وحتي بين المجتمعات داخل القطر نفسه‏,‏ فهو يزيد أكثر فأكثر ذلك النقص الخطير في الكرامة الإنسانية الذي يجتاح عالمنا اليوم‏.‏

إننا نجد أنفسنا اليوم عند مفترق طرق‏:‏ بين مستقبل الحداثة التقنية أو الحداثة الأخلاقية‏,‏ بتعبير صاحب هذا الكتاب‏.‏ ولا أشك لحظة واحدة في أن مفتاح أي نظام إنساني عالمي إنما هو الأخلاق والأخلاقيات التي من شأنها أن تعزز التضامن الإنساني وأن تدعم استقلالنا المتكافل‏.‏

إن زيارتي هذه لبطرسبيرج تجعلني أنادي من جديد بتفعيل الأصوات الخافتة وتمكينها في كل الجهات المستضعفة من عالمنا‏.‏

وقد ركزت مؤخرا‏,‏ في سلسلة من اللقاءات والملتقيات‏,‏ علي الأصوات الجديدة التي تهب من غرب آسيا‏.‏ وهي محاولات تهدف إلي بناء مجتمع إقليمي يمتلك القدرة علي التصدي لمشكلات المنطقة ضمن إطار متعدد الأطراف‏,‏ كما تهدف إلي تمكين المجتمع المدني الإقليمي من التعبير عن حاجات المواطن ومن تفعيل المواطنة عموما‏.‏ وكان آخر تلك الملتقيات ذلك الذي عقد في إسلام آباد في شهر فبراير الماضي‏.‏ وقد ركز ذلك الملتقي علي كيفية فتح قنوات الاتصال والتواصل من أجل بناء مفهوم غرب آسيا ـ شمال إفريقيا‏,‏ وعلي إنشاء وسائل مؤثرة لاستحداث سيرورة للأمن والتعاون في المنطقة‏,‏ وعلي تمكين الذين لا حول لهم ولا قوة‏.‏ ولم تكن هذه الأهداف مجرد شعارات جوفاء أو تمنيات وردية‏,‏ وإنما كانت مقرونة بأدوات عملية مقترحة لمواجهة التحديات‏,‏ وعلي وجه التحديد‏:‏ تأسيس صندوق تضامن‏,‏ ووضع ميثاق اجتماعي‏,‏ وإنشاء مجتمع الطاقة والمياه والبيئة الإنسانية‏.‏ وهذه فرصة لكي أحث مرة أخري علي التفكير باستراتيجية للاتصال والتواصل ولتسويق قضايانا‏,‏ إن جاز التعبير‏.‏ وللحديث صلة‏,‏ بل صلات‏.‏
هذه هي رسالتي من بطرسبيرج الجميلة‏.‏

عن الاهرام المصرية والدستور الاردنية




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :