facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





خَلَص بكفي بِدْنا نخفف عليكم جميعا


د. بسام الساكت
06-12-2019 03:48 PM

من عادتي ونهجي مذ كنت طالباً ما قبل الفترة الجامعية وما تلاها من حقب، أحب التحدث مع عموم من ألقاهم، سواء في الشارع أو في باص النقل ومع سائقي الحافلات والتجار الصغار وبائع الخضرة والمهنيين، ممن يأتون لتصليح الكهرباء أو المياه في منزلي وفي الأسواق.
أسألهم واستمع إليهم وأحاورهم، فأتعلم منهم وأعرف همومهم وآمالهم وشؤون حياتهم، وآخذها فرصة للغرس فيهم بعضا من قناعاتي القِيَمِية والعملية والحياتية السياسية والاجتماعية، بل أعرف منهم الهموم العامة في البلاد وأولوياتهم. وكم أنَّبتْني زوجتي وحتى ابنتيَّ، عن الحديث مع من لا أعرف، لكن بدون جدوى.
واعتدت أن أنزل إلى أسواق عمان القديمة مبكراً في الساعة السادسة صباحاً، ففي حين أن أحياء عمان الغربية غارقة في النوم، أجد حياة نشيطة حيوية من طبقة العمال وبائعي الخضار، والمُترزقِّين باعة الألبسة والأدوات المستعملة، يسوِّقون ما لديهم بنداءات وأغانٍ تلفت الأنظار، وبضائع معروضة للفقراء بأقل من الدينار ثمناً، هي ألبسة وكساء للفقراء، تجدها ملقاةً في حاويات منازل المُنْعَمين. واستمرَّ الحال بعد تخرجي من الجامعة في إنكلترا، بل تعمَّق، لِما شاهدته هناك، من تواصل نافع وآليات وتقليد الحوار ومما درسته ومارسته اثناء دراستي الأولى في جامعة أكسفورد 1968- 1970 وفترة دراسة الدكتوراه هناك 1973- 1976، على أيدٍ وبإشراف عقول صقلت فكري ونهجي الحياتي. كان منهم أساتذة يساريون وآخرون تقليديون محافظون، وخبراء في الأمن والاستراتيجيات، وفنون حل المنازعات العسكرية بأدوات اقتصادية، وكيفية استخدام أموال المساعدات الاقتصادية، أدوات سياسية واجتماعية من قِبل المانحين.
وقبل يومين صادفت عينة ممن أحب التواصل معهم، شابين أردنيين تبين لي أثناء الحديث معهما أن أحدهما مهندس، وهما يشرفان على مشروع أشغال صغير لمؤسسة عامة أشاهده مكررًا أثناء مروري اليومي إلى منزلي. سألتهما عن المشروع، ولماذا رغم صغره متأخر إنجازه، فكانت الإجابة: الاتفاقية مغلوطة، وصممت لصالح المقاول بدون تدقيق ومتابعة من الإدارة الأعلى عندهم، وقالوا: مثل مشروع عمان «الباص الصريع»، وليس «السريع»، مرّ عقد زمني ضائع على البلاد ولم ينجز بعد، وغيره وغيره، وحين سألتهما عن آمالهما وهمومهما، ولكثرتها، سألتهما عن أولوياتهما. وجدت فيهما صراحة وألفاظاً وعبارات وإفرازات كلامية حادة، تتجاوز الحدود، فيها التحدي ومشاعر الغضب، فتذكرت عبارات الشارع اللبناني والمصري والعراقي، تطالب التغيير بطريقة رافضة للحاضر القائم، ومُكرِّرين على أسماعي مدى الحاجة المادية عند الفقراء، والعاطلين عن العمل وأمراض الإدارات المؤسسية، كالفساد وقصور يد العدالة والقانون وتحيزهما للقوي، كما لديهما مطالبات بتغيير نهج تعيين رؤساء الوزارات والوزراء، ورفضهما بل تهكمهما الناقد الجارح للبرلمانيين، وضياع مدخرات العائلات الفقيرة في تعليم الأبناء ليتخرجوا فلا يجدون فرص عمل.
وكنت في بادئ الأمر مستمعاً أكثر مني متحدثاً. وزاد من رغبتي في الاستماع أكثر، وعيهما بمطالب، محددة أحيانا ً، تخص الضرائب على الدخل وضريبة المبيعات العالية، المتحيزة للأغنياء، كما قالا، وللرأسمالية في البنوك والأعمال، والرواتب العالية والحظوة للأبناء في المدارس الخاصة، بحكم ثراء الآباء. وعرجّا على التعيين المتحيز في المواقع العامة، واتساع شريحة الفقر في الأرياف، والمدن، بل تطرقا للدستور، وكانت لهما آراء تغييرية جامحة جراحية. وآثرت الاستماع لهما، كشباب متحمس مصدوم، وإلى حين. وبدأت أزرع في فكرهما الابتعاد عن الانفعال، وأهمية التأكد ومناقشة ما يسمعانه من أخبار مُعَالجَة، أو منزوعة الدسم، والابتعاد عن التعميم عن سوء الحال، وأهمية التدرج في التغيير، بدون حمل جميع البطيخات مرة.


ما قابلته بالأمس الأول، كان عينة من شباب الأمة، طموحة متحمسة عطشى للعمل، لكن تنقصها الفرص الكافية المتاحة لها للقاء المسؤولين وبث همومهم عن كثب، وتهذيب ما هو خشن في مطالبها. ولا أظن أنهم اليوم متقبلون، كالأمس، للوعود بسهولة، بل متحفزون يريدون التغيير الملموس في الحكومة وأدواتها، والبرلمان وسكانه، ونهج التأهل لعضويته، وفي حالهم المعاشي، وأدركت أكثر مما مضى «استحقاق» العناية بهذا الاندفاع والمبادرة باحتضانه، اليوم لا غداً، وعدم إهماله.
وبالأمس الأول وعندما عدت إلى منزلي، شاهدت صور ملك البلاد يلتقي في «مجلس بسمان «ممثلي عشائر بئر السبع ، وقبلهم عشائر وفئات أخرى من المجتمع الأردني، أدركتُ أن الملك، تصله صورة ما، عن البيئة السياسية والاقتصادية والعلل والمطالب. وتصريح الملك ومخاطبته الحاضرين بـ: «خلص بكفي، بدنا نخفف عليكم جميعا»، هو إدراك من الوالي بثقل العبء المالي على الناس، وهموم الشباب والعباد، وضرورة قيام الحكومة بالتخفيف عنهم بالاستجابة لمطالبهم وحاجاتهم. وهنا صورة يلتقي فيها المسؤول الأول عن الأمة، مع هموم عيِّنة من ابنائنا الشباب. وصدق ابن خلدون العالم التونسي، وقبل أكثر من سبعة قرون، حين قال: «السلطان من له رعية». وكذلك أقول، إن الملك يدرك، أكثر من ذي قبل، أهمية وجدوى الالتقاء المباشر مع المواطنين والاستماع مباشرة لهم، وينطق بعبارات لها مدلول نابض. وبالتوازي، أهمية النخبة الصالحة المتينة الكفؤة المجربة، والقدوة الحسنة التي تعرفها وتذكرها جموع الناس، والتي تعالج الأمور بشجاعة وأمانة ومهنية.

القدس العربي




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :