facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





للحقيقة وجه آخر


د. بلقيس الكركي
28-01-2020 02:38 PM

تداوَل الأردنيّون بشغف خلال الأيّام الماضية خبرَ سحب الجامعة الأردنيّة درجةَ الدكتوراه من أكاديميّة فيها بسبب "ثبوت السرقة العلميّة" في رسالتها كما يقولون، وتداولت الخبرَ وكالاتُ أنباء عربيّة وعالميّة أيضاً. وكعادة الأردنيّين والبشرعموماً، استفزّهم الخبر لندرته الشديدة، وتحمّسوا للإفتاء في المسألة، وانهالت التعليقات الشامتة بالمتّهمة، السعيدة لأنّ إحدى مؤسّسات الدولة "تحارب الفساد" وتعاقب من يستحقّ بأشدّ عقوبة ممكنة، وصفّقوا للجملة الأخيرة في الخبر القصير: "جاء قرار الجامعة حفاظاً على سمعتها الأكاديميّة".
ربّما علينا أن نعيد إلى المناهج الأردنيّة آياتٍ تذكّرنا بفداحة ما نفعل: "إِذْ تَلَقَّوْنَهُۥ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُۥ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ."

"أمّا أنا فلا أخلَعُ صاحبي".
ماذا أكونُ لو استطعتُ أن أصمتَ وجَبُنت أمام الحشد الهائل من الذين يظنّون أنّهم يعرفون الحقيقة كاملةً؛ الذين يغطّون جهلهم وسوء ظنّهم بشعارات رنّانة تدّعي احترام الحقّ والشرف والنزاهة والعِلم؟ إنّ المتّهمة زميلتي منذ عقدين من الزمان، وصديقتي منذ عشر سنوات، وأختي التي من صُلب روحي منذ أنْ تيقّن القلب في موقفٍ بعد موقف أنّها أنبلُ من عرفت، وأشرفُنا جميعاً وأطهرنا وأكرمنا وأقربنا إلى الله، وأكثرنا شهامة ومروءة وعنفواناً وأصلاً رفيعاً يقول الناس إنّ أحدَ فروعه فاسدٌ سارق خائن للأمانة، ويريدونني أن أخاف على نفسي وأتوارى في سبيل أمانٍ موهوم. لكنّ صاحبتي هذه هي من نَفْسي، وكم فاضت عليّ روحها العزيزة من جوهرها الطيّب ومعدنها النادر كلّما ضاقت بي الدنيا، فليس إذاً من حقّي، بل من واجبيّ العلميّ والأخلاقيّ، أن أكتب ما أعرف.
وليكن دفاعي شخصيّاً وذاتيّاً، فالموضوع برمّته بدأ غارقاً في الشخصنة بعيداً عن كلّ عُرفٍ أكاديميّ وأخلاقيّ يعرفه العالم. ولا أعرف كيف تستطيع إدارة الجامعة النظر بصدق في مرآتها وتقول إنّ القرار كان موضوعيّاً يحترم القانون والعدالة بعد أن رَمَت بعرض الحائط ثقافةً تعتزّ بالمقولة الشهيرة: "ما بُني على باطل فهو باطل".
بلغتني بداية القصّة العامَ الماضي وأنا في جامعة أكسفورد. وصلتني صورٌ لما كتبه أكاديميّ مصريّ على الفيسبوك. "أكاديميّ" متخصّص - للمفارقة – في سيّد الفصاحة العربيّة أبي حيّان التوحيديّ، يستخدم لغةً مبتذلة لا تليق بمصرَ ولا بتاريخها الأكاديميّ المشرّف ليسرد قضيّته قبل أيّ شكوى رسميّة: "فضيحة في الجامعة الأردنيّة". وضع المتخصّص في أبي حيّان رحمه الله وأراحه من قذارة هذا الزمان صورةَ صديقتي وتحتها تعليق غارق في الإساءة لا أستطيع إعادتَه في هذا المقال؛ تعليقٌ كتبَه، للأسف، أستاذ جامعيّ مصريّ آخر. جُنَّ جنوني حين عرفتُ أنّ الجامعةَ الأردنيّة ستأخذ قضيّته على محمل الجدّ بعد هذا المستوى من الابتذال والهبوط والتشهير، وخرجت من اجتماع في جامعة تعرف الأخلاق العربيّة أكثر منّا، إذ لم تقبل رغم كلّ الضغوط أن تفصلَ أحد الأكاديميّين المشهورين فيها المتّهم بقضايا كثيرة، حتّى يتبيّن جيّدا جدّاً الخيط الأبيض من الخيط الأسود. تواصلت مع إدارة الجامعة الأردنيّة عبر الهاتف. كنت منفعلةً، وطلبت أن يدافعوا عنّا جميعاً؛ عن أيّ أكاديميّ أو أكاديميّة قد يتعرض للموقف ذاته: أن تُنشر صورته وصورة مشرفه وصفحات من رسالته أو أبحاثه قرب كلام بهذا الإسفاف، ولا يجد مؤسّسة تدافع عنه وتعلّم الناس كيف تكون الخصومة الشريفة بين أصحاب العِلم والخُلُق . قلتُ إنّي مستعدّة لكتابة ردّ باسم الجامعة بل باسم الدولة الأردنيّة يشغَل الدنيا وينتصرُ له طه حسين وعباس محمود العقّاد في مرقديهما، من أجل "سمعة الجامعة الأكاديميّة" ومن أجل أكاديميّي الأردن وأكاديميّاته بل مِنْ أجلِ هيبة الدولة واعتزازها بنفسها. تجاوزت حدودي وسألت: لو كُتب هذا الكلام بحقّ ابنة أيّ منكم، ماذا كنتم ستفعلون حتّى لو كانت مخطئة؟ هل ستتبرّعون لمن طرق مُقذِعاً شبّاكَكم قبل بابكم بسيفٍ آخر مصقولٍ بالقانون يطعنها به بدل أن تحقّقوا معه قبل أن تحقّقوا معها؟ منذ متى ونحن نحتقر أنفسنا إلى هذا الحدّ، إلى حدّ أن نقبل بالإساءة باسم حالة مزيّفة تزعم أنّها قانونيّة أكاديميّة مؤسّسية صارمة، بل ونبدأ إجراءات التحقيق بقلبٍ واسعٍ باردٍ سامَح الشتائمَ سريعاً باسم "التجرّد والموضوعيّة"؟ هل من "العِلم" حقّاً أن نطّرِحَ باسم تحضّر مزعوم أعرافاً أردنيّة وثقافة عربيّة إسلاميّة تربّت على تراث نبيّ عظيم ما سمَح للناس بمَسِّ أقرب الناس إليه بسوء، وورد عنّه أنّه قال لعائشة: "إن كنتِ برئية فسيبرئك الله، وإن كنتِ ألمَمتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه"؟ سيقولون نحن في عالمٍ أكاديميّ متحضّر يسود فيه القانون، ونحن أيضا أبناء ثقافة تعلّمت الحديث: "لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها". حسناً، هل تحفظون أوّله؟ "أيُّها الناسُ إنَّما أَهْلَكَ الَّذينَ قَبْلكمْ أنَّهمْ كانوا إذا سرَقَ فيهمِ الشَّريفُ ترَكوهُ، وإذا سرَقَ فيهمِ الضَّعيفُ أقامُوا عليهِ الحَد". واسألوا أنفسكم: هل أقمتم الحدّ على القويّ قبل الضعيف؟ كونوا مثل أبيها أوّلاً، ثمّ اقطعوا يد فاطمة.
سيقولون نريد أن نكون جامعةً عالميّة يعترف بنا الغرب. هل يعرفون أنّ الجامعات العالميّة تحترم مبدأ "الإلمام بالذنب" أكثر منّا، ويفرّقون جيّدا بين "السرقات" العلميّة وفق النيّة: بين ما كانت "عرضيّة" أو "متعمّدة" كيلا تتساوى الحالات المختلفة وكي تتحقّق العدالة فعلاً؟ أم إنّنا نحبّ التشابه في القشور، ونعشق التلميعَ الإعلاميّ المحلّيّ، ونظنّ أنّ العالم سيحترمنا فعلاً إذا أشبهناه في الظاهر السطحيّ؟

باسم المهنيّة، لم ترحم الصحافة صاحبتي قبل صدور القرار بسحب شهادتها وبعده، وانتشرت الإشاعات أكثر. ظنّت أنّ صِدْقها سيكفي، وسيكون هو الحقيقة، وهي التي رفضت أن تُدخل محامياً إلى الحرم الجامعيّ وقت التحقيق لأنّ الأمر "عزّ عليها" بعد عشرين سنة في الجامعة طالبة وإداريّة وأكاديميّة جعلتها تَثق بأنّها ستُسمع جيّدا، وأنّها إن أخطأت لسهوٍ ما في بضع صفحات فإنّها لن تكون كبشَ الفداء الوحيد الذي سيثبت نزاهة إدارة الجامعة أمام هيئة مكافحة الفساد، خاصّة أنّ قضايا السرقات العلميّة في الجامعة موجودة ويُتعامل مع أصحابها بصبر ووقت وتأنّ وبمسامحة في أغلب الأحوال وفقَ معايير ليتَ لها وجهاً واحداً. وكما تقول زميلة أخرى: "إذا كانوا قد أشهروا السيف، فليكن على رقابنا جميعا". وإذا أرادوا نزاهة وموضوعيّة، فلينأوا بأنفسهم عن المحاباة والتمييز لعلّنا نصدّقهم ونصفّق لهم ونحيّي فيهم احترامهم للحقيقة والقانون والعلم. أمّا هذا النوع من الأذى الانتقائيّ، فليس من العِلم ولا الخُلُق ولا القانون في شيء. لقد اعتدنا على العيش في نصف الحقيقة المقلوبة: أن يُرفع الظالم والفاسد والخسيس وألّا يكاد يمسُّهُ سوء. أمّا العكس، أن ننبش عن خطأ لنقول إنّ أنبلنا هو أسوأنا، وإنّ أعلانا هو أسفلنا، فهذه براءة اختراع أخلاقيّة تُسجّل لمن تواطؤوا على المقنّع الكِنْدِيّ ويريدوننا أن نعلّمه لطلّابنا سطحيّا بارداً من غير نكشف اللثام عن وجهه الجميل: "أراهمُ إلى نَصري بطاءً"، "فإن يأكلوا لحمي وفَرتُ لحومَهم"، " وَإِن ضَيَّعوا غَيبي حَفظتُ غيوبَهُم... وَإِن هُم هَوَوا غَيِّي هَوَيتُ لَهُم رُشدا."


"والعارُ يبقى، والجرحُ يَلتامُ". اطمئّني، فالعارُ فيمن "أخلّوا وضيّعوا"، وهو أجنبيٌّ عنكِ لا يعرف الطريق إلى دارك . أعرف أنّه ليحزُنُكِ ما فعلتُه بكِ جامعةٌ أحببتِها وأعطيتِها عمرك. أعرف كم يخطر ببالك أبوك العزيز رحمه الله، الذي حضر مناقشتك للدكتوراه وهو في خضمّ معركة غسيل الكلى ولم تغيّري صورتك معه في المناقشة منذ سنوات خمس. اطمئنّي، فكلّنا يعرفه جيّدا، وكلّنا يحفظ منك شعراً بدويّا في حال الزمان ورجاله كان يردّده: "وَقْتٍ بَه الرَاعِي غَدَا راعِيَ دْلَالْ/ كِلِّنْ عَلى طَارِيْه يُنْفُضْ شَلِيْلَه". وكم كنت تضحكين وأنا أطلب منك أنْ تترجمي لي! أريد أن أصدّق أنّنا خفّفنا عنك شيئا، أهلك الطيّبون وأهلي الذين تحفظينهم في حلّي وترحالي، والجيش العريض من زملائك وزميلاتك الذين تواصلوا معك أفواجاً وبكوا قبلك وكلّنا يشعر بقهر لا نعرف له آخِرا. ستبقين كلّ ما كنته لنا: حافظةً لألسنتنا من اللحن والركاكة وقلوبنا من الهمّ والغمّ وعقولنا من الالتواء مع الزمان. مقهورة أنا يا صاحبة الجراح اليوميّة، وكلّها يلتام حين تحضرين، لكنّ الجرح الآن فيك، فأين أذهب؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :