facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





الاردن بين الضرورة الاستراتيجية والخيار الاستراتيجي


جمال الطاهات
01-06-2007 03:00 AM

علn مدي تاريخ الأردن، كانت المفاصل الحاسمة في تشكيله تأتي في سياق انفكاكه عن الإمبراطوريات المهيمنة في تلك الفترات. وكان الموقف من المشروع الصهيوني هو البوصلة التي تقود وتوجه عملية التفاعل بين الحلم بكيان سياسي يحمل الفكرة والقيمة ويؤثث المسارات نحو غد أجمل مشحون بصور التقدم والرفاه والحرية.فلقد نشأ الأردن في سياق تفكيك الإمبراطورية العثمانية، وتشكيل منظومة علاقات قوي جديدة تنتظم المنطقة. وكانت نقطة الحسم هي في الموقف من المشروع الصهيوني، وبالذات وعد بلفور. فأول برقية تحتج علي وعد بلفور وصلت إلي لندن من الطفيلة بضعة شهور قبل سقوط دمشق بيد الفرنسيين، وتأسيس الأردن. وأول مظاهرة ضد وعد بلفور وقبل تأسيس الأردن كانت في مدينة السلط أسابيع قبل مؤتمر أم قيس الذي أعلن ميلاد حلم الدولة وصاغ فكرتها. فالخيار الإستراتيجي كان آنئذ هو رفض المشروع الصهيوني وتأسيس الدولة، لتشكيل الجغرافيا سياسياً في سياق حمايتها. في تلك المرحلة كانت الإرادة عنصراً حاسماً في تشكيل الضرورة الإستراتيجية، وهي حماية ما يمكن حمايته من المشروع الصهيوني، والاستعداد لمسير أبدي في مواجهته.
وتحول الأردن من مجرد إمارة تدير فقرها وقهرها، وتؤجل أحلامها، إلي مملكة تطمح بالحرية والازدهار في إطار تفكيك العلاقة مع الإمبراطورية البريطانية، وبناء جسور الارتباط مع الولايات المتحدة. الولايات المتحدة كانت في طليعة العالم الذي يسعي ويساند كل الجهود الساعية لتصفية الاستعمار الأوروبي.
في خمسينيات القرن الماضي، مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان المشروع يقوم علي أساس إعادة بناء علاقات الأردن مع الإمبراطورية البريطانية، وبناء علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. وكان الأردن بهذا المعني يبلور خياراً استراتيجياً تمليه ضرورة إستراتيجية. فالخيار الإستراتيجي هو تصور عملياتي لإدارة ضرورة إستراتيجية. وكانت الضرورة الإستراتيجية هي أن يتم اختيار موقف، فلا مكان في العالم لمن يتجاهل حقائق صراع القوي علي المستوي العالمي. فلقد أملت الضرورة الإستراتيجية علي طيف واسع من اللاعبين أن يختاروا موقفاً ويدخلوا في نسيج علاقات خاص مع القوي العظمي. وتميز الخيار الاستراتيجي خلال الحرب الباردة، وفي كل العالم، بأنه ينطوي علي وتيرة عالية من الصراعات المحلية، وعلي سعي دائم لإعادة بناء علاقات القوي الداخلية. ورغم ضيق هوامش الخيار، كانت هناك خيارات. والخيارات كانت تستتبع صراعات ومنافسات. والضرورة الإستراتيجية كانت تتجلي في حتمية الاختيار. وشرعية الاختيار توزعت علي ركنين، ركن الحلم بالتقدم والازدهار، وركن حماية الإرادة والفكرة.
منذ نهاية الحرب الباردة، والانقلاب الجيواستراتيجي للمنطقة بعد غزو صدام للكويت، فقدت النخبة الحاكمة في الأردن وضوح التمييز بين ضرورة الخيار الإستراتيجي، وهوامش صياغة الخيار. ولم تعد العلاقة مع الولايات المتحدة مجرد خيار يستتبع ضرورة من ضرورات الحرب الباردة، بل أصبحت هي بحد ذاتها ضرورة، مستبدلة كل مكونات مشروع الدولة وفكرتها وحالة مكانها، أو بشكل أكثر دقة، بدأ التنافس بين الحديث عن فكرة الدولة كحامل للإرادة والحلم، إلي ضرورة الحفاظ عليها بلا فكرة ولا حلم. ويقترب هذا الشد في مرحلته الحالية إلي حدود تباين قصوي. فهناك خطاب يتحدث عن الدولة بمنطق الشركة ونغمة ازدراء تشوب خطاب الذين يستبدلون الشركة بالدولة، لكل من يتحدث عن ما هو غير قابل للصرف والتحويل إلي أرقام بنكية. وهناك حالة من انعدام الوزن تشوب التيارات الأوسع في المجتمع، التي وإن لم تكن تعترض علي منطق ما تقوم به النخبة الحاكمة، إلا أنها لا تجد لنفسها أي حصة متبقية بعد توزيع الغنائم. فالنخبة الحاكمة تسعي لأن تحصر الوظيفة الاقتصادية للدولة بأنها مجرد تقديم خدمات للاستثمار، ومعونات للفقراء. وهذا المنطق يهدد بعض الأردنيين الذين ليسوا مستثمرين، وحملوا حلم الدولة أجيالاً وما زالوا يتمسكون بها، ويصرون علي أن يحيوا من خلال سياق الدولة، أمام خيار وحيد وهو أن يحصل علي تصنيف رسمي بأنه فقير، ومنكوب ويحتاج إلي معونة.
النخبة الحاكمة في الأردن تريد أن تحتكر إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، وأن تبقي هذه العلاقة محصورة عبر سياق واحد ومحدد يخدم فقط مصالحها ويديم هيمنتها علي السلطة والثروة. وهذا يتطلب تحريماً قاطعاً لمناقشة مكونات وآليات إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة. وهناك رفض من قبل النخبة الحاكمة لمناقشة تصورات بديلة لإدارة الضرورات الإستراتيجية، أو بالأصح لإعادة بناء العلاقة مع الولايات المتحدة باعتبار ذلك ضرورة إستراتيجية، ولكن لها طيفا واسعا جداً من المضامين السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
في فترة الحرب الباردة الأردن الذي اختار تحقيق الضرورة الإستراتيجية عبر علاقة مع الغرب كان يتهم أي محاولة لمناقشة هذا الخيار بأنها شيوعية. والآن تريد نخبة تسيطر علي السلطة والثروة أن تعتبر أي مناقشة لنموذج العلاقات الراهنة بين الولايات المتحدة والأردن امتدادا لفكر بن لادن. فكل من تسول له نفسه القول بأنه بالإمكان أن تكون علاقتنا مع الولايات المتحدة طيبة وحسنة وذات مردود أفضل ودون التضحية بفكرة الدولة وهويتها، يكون معرضاً للاتهام بأنه تكفيري، وإرهابي، ومن جماعة بن لادن، حتي لو كان عضواً في الحزب الشيوعي. هذه الحالة تعزز الرأي الذي يقول ان الأردن يدير ضرورته الإستراتيجية، علي المستوي المحلي، الآن بذات الطريقة التي أدار خياره الإستراتيجي في الحرب الباردة. فأحد الوزراء السابقين الذين كانوا يتباهون بأنه حول الوزارة إلي شركة، اتهم أحد الأشخاص الذين انتقدوه بأنه أصولي، وتكفيري، وهدده بأنه يمكن أن يكون موضوعاً للتحقيق حول علاقته بالقاعدة.
والحقيقة أن النخبة الحاكمة تري في احتكارها بناء آليات العلاقة مع الولايات المتحدة ضمانة لاستمرار احتكارها للعائدات المالية والاقتصادية لهذه العلاقة. ولكن الموضوع لم يعد مجرد عائدات مالية للعلاقات الدولية، بل استحقاقات سياسية تدفعها كل مكونات وعناصر الدولة. فهناك فئة تحتكر العائدات المالية للعلاقات الدولية وتورط الجميع بدفع الثمن السياسي لهذه العلاقة.
ويمكن اختصار المشهد السياسي بالإشارة إلي حقيقة مركزية وهي: أن الإسلاميين والشيوعيين والديمقراطيين الوطنيين والتيارات المحافظة والتيار الليبرالي، كلها توافق علي ضرورة تمتين العلاقة مع الولايات المتحدة. ولكن ليست هناك تصورات عملية لكيفية تحقيق هذا الهدف، وليست هناك برامج للحوار الإستراتيجي والتفاعل الإيجابي. تغييب النقاش العلني حول التصورات العملية لإدارة العلاقة الأردنية ـ الأمريكية، وإبقاء هذه العلاقات في مساحات مغلقة بالضبابية والتعتيم بقصدية واضحة من قبل النخبة الحاكمة، يفقدان الأردن فرصة أن يكون شريكا للولايات المتحدة له هوامش للمناورة حول الكثير من القضايا. وهذا التعتيم له مؤديات إضافة إلي أن هناك فئة تحتكر كل العوائد الاقتصادية لهذه العلاقة، فإنها ترفع الثمن السياسي المطلوب دفعه من كل مكونات الوطن لإبقاء العلاقة مع الولايات المتحدة علي ما هي عليه. فأي نقاش علني للعلاقات الأردنية ـ الأمريكية سوف يوقف الديناميكا الحالية التي تحول الأردن فيها إلي مجرد أجير يكتفي بالعائدات المالية نتيجة هذه العلاقة. ومثل هذا النموذج إضافة إلي أنه يفقد الأردن القدرة علي توظيف المزايا السياسية لعلاقته مع الولايات المتحدة، فإنه يرشح هذه العلاقة للانهيار عند أول تغيير في خريطة علاقات القوي الإقليمية. فكل ما يقدمه الأردن الآن مقابل عائدات مالية سيكون متاحاً للولايات المتحدة من خلال ترتيبات إقليمية جديدة، وسوف يصبح من غير المبرر الاستمرار بالدفع للأردن.
عند الوصول لهذه النقطة، في حال استمر غياب الحوار الاستراتيجي الفعال، سيكون الأردن أمام متطلبات لا تمليها الضرورة الإستراتيجية الموضوعية، ولكن هي ناتج ضروري للإدارة السيئة والفاسدة للضرورة الإستراتيجية. استحقاقات الحل في إدارة هذه المرحلة ستدفعها كل مكونات الدولة، وستتحول المزايا الإستراتيجية التي تتم المتاجرة بها الآن دون توظيفها سياسياً إلي مجرد أوراق يتم تداولها بين اللاعبين الآخرين، اللاعبين الصغار، وهم صغار بسبب عجزهم عن توظيف فرصهم ومزاياهم وليس بسبب حجمهم، سوف يكونون مجرد أوراق لعب في عملية إعادة بناء خريطة علاقات القوي الإقليمية. اخطر ما يمكن أن يتبلور عن النموذج الحالي لإدارة الضرورة الإستراتيجية في الأردن، أن يكون الأردن مضطراً لدور متعلق بالقضية الفلسطينية ضد مصالحه وضد هويته وضد فكرته، علي أمل أن يؤخر هذا الدور من حدوث الانهيار. عند هذا المنعطف، لن يبقي علي طريق المستقبل في الإقليم إلا اللاعبون الذين أداروا ضروراتهم الإستراتيجية بحس سليم.
والحس السليم لإدارة الضرورات الإستراتيجية ينطلق من حقيقة موضوعية أن الذي يميز الدول عن عصابات القراصنة هو التصاق فكرة الدولة بالقيم العظمي والسامية. والدول التي تدير ضروراتها الإستراتيجية دون الاعتبار للقيم العليا التي تعبر عنها فإنها تعلن خسارتها وتخليها عن كل مزاياها الإستراتيجية. فالصراع الآن لا يهدف للإبادة بل إلي تغيير فكرة الدولة عن نفسها. والدولة التي تتخلي عن فكرتها لقاء بعض المال، لن تجد من يدفع لها بعد حين. والنخب التي تتواطأ وتبلع طعم أن الخيارات الإستراتيجية مسألة أيديولوجية فإنها تبيع مستقبل الوطن وتقبل أن تباع الأحلام المنشئة للدولة بعلبة علكة.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :